حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئًا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك
وقوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،) قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق أبيه وأمه وزوجه وجميع الناس، لأن الهدى من الضلال والخلاص من النار إنما كان بالله على لسان رسوله
ومن علامات محبته نصر دينه بالقول والفعل والذَّب عن شريعته والتخلق بأخلاقه.
وقال النووي: ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في (فتح المجيد) : ومن علامات محبة الله ورسوله، أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، ويؤثر مرضاته على ما سواه، ويسعى في مرضاته ما استطاع، ويبعد عما حرمه الله ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسوله، ويمتثل أمره ويترك نهيه، كما قال تعالى: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) فمن آثر أمر غيره على أمره وخالف ما نهى عنه فذلك علَم على عدم محبته لله ورسوله
قال تعالى في سورة آل عمران (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ـ رحمه الله ـ عند الكلام عليها: وهذه تسمى آية المحنة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله تعالى آية المحنة (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدتها محبة المرسل لكم
فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير حاصلة ومحبته لكم منتفية
وقال ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم) في شرحه لحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) ما ملخصه: معنى الحديث: أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فقد دلَّ القرآن العزيز على ما ثبت في هذا الحديث مع الوعيد لمن أخل بذلك، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة/ 24
وقوله (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) : وذلك من لوازم محبة الله تعالى، قال شارح الطحاوية:
ـ فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغضويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه
ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله يحب المحسنين ويحب المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضًا، ونبغضهم موافقة له سبحانه وتعالى، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) :وفي رواية آدم عند البخاري في (كتاب الأدب) : (وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه)