فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 405

(أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا"وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا)

صحيح البخاري

الشرح:

(أجل) : حرف جواب كـ (نَعَمْ)

و (الحِرْز) : الموضِع الحصين

(والأميون) : هم العرب؛ لأنَّ أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب

(والفظُّ) : الجافي الكريه الخُلُق

(والغليظ) : القاسي القلب، الخَشِن المعاملة.

(السخّاب) : بالسين، وربما روي بالصاد: الصيَّاح، الكثيرُ اللَّغَط والجَلَبة.

(القلب الأغلف) : هو الذي لا يعي، كأنه حُجِب عن الفَهم كما يحجب السكين ونحوه بالغِلاف.

وقد تضمَّن حديثه هذا العديد من نعوته صلى الله عليه وسلم المبثوثة في القرآن الكريم:

ـ أن الله أرسله شاهدًا: لمن آمن من أمته بالتصديق، وعلى مَن كفَر منهم بالتكذيب، أو شاهدًا للرسل قبله بالبلاغ.

ـ ومبشرًا: للمطيعين بجنات النعيم،

ـ ونذيرًا: للعاصين بنار الجحيم، وهذا موافِق لقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} الأحزاب: 45

ـ وحِرْزًا للأُميِّين: يتحصَّنون بكَ من غوائل الدهر، أو من سَطْوة العَجَم، أو من عذاب الله ما دمتَ فيهم؛ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الأنفال: 33، فهم بك في حِصْن حصين

وأمن مُقيم؛ وإنما خصَّ العرب بالذِّكر؛ لشرفهم، أو لإرساله بين أظهرهم، وإلا فلا جدال أن دعوته عامةٌ، ورسالته إلى الناس كافة.

ـ أنت عبدي: المكمَّل، شرَّفتك بالعبودية، ولقَّبتك بها في أجلِّ المواطن وأسماها، وأشرف المنازل وأعلاها، وخيَّرتك بأن تكون نبيًّا مَلِكًا، أو نبيًّا عبدًا، فاخترتَ - وما أجلَّ ما اخترتَ! - أن تكون نبيًّا عبدًا؛ فأنت عبدي الكامل.

ـ ورسولي: الخاتَم، الذي أرسلتُك رحمةً للعالمين، وجعلت رسالتك خالدةً إلى يوم الدين.

ـ سمَّيتك المتوكل: لعظيم ثقتك بي، وكريم اعتمادك عليَّ، وجميل صبْرك فيَّ، تَقْنع باليسير، وتجود بالكثير، وتُفوِّض أمرك كله إليَّ.

ـ ليس بفظٍّ: جافٍ

ـ لا غليظ: قاسٍ، بل اللين شيمتُه، والرفق سجِيَّتُه، ما لم يُؤْمر بالشدة والغِلَظ، فإذا أُمر بهما، فما أجدره بمعالجة نفسه، ومخالفة طبْعه؛ امتثالًا لأمر الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} التوبة: 73

ولا نستطيع هنا أن نُحصي مواقف لينِه ورِفقِه؛ حيث ينسى رحمتَه الرحيمُ، ويتميَّز من الغيظ الحليمُ، وحسْبنا أن عاتَبه الله في غير آية؛ رحمةً به أن تضرَّه الرحمة، ونهاه أن تذهب نفسه على الكافرين حسرات.

وهذا الجزء من التوراة يُوافِق قوله تعالى في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران: 159

ـ ولا سَخَّاب في الأسواق: وما حاجته إلى الصَّخب واللغط وهو مجبولٌ على الرِّفق والتواضع، مطبوع على السكينة والوقار؟ وإذا كان هذا شأنه في الأسواق، وهي مَدْعاةُ الصياح والجَلَبة، فهو في غيرها أعظم وقارًا، وأجلّ حِلمًا.

ـ ولا يدفع بالسيئة السيئة: امتثالًا لأمره تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} المؤمنون: 96، وكان - صلى الله عليه وسلم - خُلُقه القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت