فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 405

دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)

وبعد أن سمع خباب ورفاقه هذه الكلمات، ازدادوا إيمانا وإصرارا على الصبر والتضحية.

استنجد الكفار بأم أنمار، السيدة التي كان خباب عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت تأخذ الحديد المحمى وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخباب يتلوى من الألم، ولكنه يكظم أنفاسه حتى لا يرضي غرور جلاديه

ومر به الرسول والحديد المحمى فوق رأسه، فطار قلبه رحمة وأسى، ولكن ماذا يملك أن يفعل له غير أن يثبته ويدعو له: (اللهم انصر خبابا)

وبعد أيام قليلة نزل بأم أنمار قصاص عاجل، إذ أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها -كما يقولون- تعوي مثل الكلاب، وكان علاجها أن يكوى رأسها بالنار!

لم يكتف في الأيام الأولى بالعبادة والصلاة، بل كان يقصد بيوت المسلمين الذين يكتمون إسلامهم خوفا من المشركين، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم إياه، فقد نبغ خبّاب بدراسة القرآن آية آية، حتى اعتبره الكثيرون ومنهم عبد الله بن مسعود مرجعا للقرآن حفظا ودراسة

وهو الذي كان يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الإسلام ورسوله لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة: (دلوني على محمد)

وسمع خباب كلمات عمر، فخرج من مخبئه وصاح: (يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته بالأمس يقول:(اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك، أبي الحكم بن هشام، وعمر بن الخطاب) فسأله عمر من فوره: (وأين أجد الرسول الآن يا خباب؟) وأجاب خباب: (عند الصفا في دار الأرقم بن أبي الأرقم)

فمضى عمر إلى مصيره العظيم

كان خباب رجلًا قَيْنًا، وكان له على العاص بن وائل دَيْنٌ، فأتاه يتقاضاه، فقال العاص:

(لن أقضيَكَ حتى تكفر بمحمد)

فقال خباب: (لن أكفر به حتى تموتَ ثم تُبْعَثَ)

قال العاص: (إني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيكَ إذا رجعتُ إلى مالٍ وولدٍ؟)

فنزل فيه قوله تعالى:" (أفَرَأيْتَ الذَي كَفَرَ بِآياتنا وقال لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عند الرحمنِ عَهْدًا، كلاّ سَنَكتُبُ ما يقول ونَمُدُّ له من العذاب مَدّا، و َنَرِثُهُ ما يقولُ ويَأتينا فردًا") سورة مريم 77 ـ 80

شهد خباب بن الأرت جميع الغزوات مع الرسول وعاش عمره حفيظًا على إيمانه يقول خباب: (لقد رأيتني مع رسول الله ما أملك دينارًا ولا درهمًا، وإنّ في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف وافٍ، ولقد خشيت الله أن تكون قد عُجّلتْ لنا طيّباتنا في حياتنا الدنيا)

عندما فاض بيت مال المسلمين بالمال أيام عمر وعثمان -ما-، كان لخباب راتب كبير بوصفه من المهاجرين السابقين إلى الإسلام، فبنى دارًا بالكوفة، وكان يضع ماله في مكان من البيت يعلمه أصحابه ورواده، وكل من احتاج يذهب ويأخذ منه.

قال له بعض عواده وهو في مرض الموت: (أبشر يا أبا عبد الله، فإنك ملاق إخوانك غدا) فأجابهم وهو يبكي: (أما إنه ليس بي جزع، ولكنكم ذكرتموني أقوامًا، وإخوانًا مضوا بأجورهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت