فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 405

وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ (صحيح البخاري

الشرح:

"يظلهم الله في ظله": الإضافة لله إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره

وهنا نذكر هول يوم القيامة ودنوّ الشمس من الخلق والناس في كرب شديد حتى يصل عرق أحدهم إلى صدره وأعلاه، فيكون لهؤلاء الصالحين مكانة في ظل عرش الرحمن وهذا ما فسّره الحديث:"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"

الأول:"الإمام العادل":

أول هؤلاء السبعة؛ الإمام الأعظم القائم بشرع الله، يضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط. وفي الحديث:"إن المقسطين (أي العادلين) عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا"صحيح مسلم

وهذا الحديث يرينا العدل في صورته الواسعة لتشمل الإمام الأعظم وتشمل كل صاحب ولاية ولو كانت ولايته محدودة؛ مديرًا لدائرة أو مسؤولًا في مركز أمني أو مسؤولًا عن عمّال أو في شركة أو والدًا في بيته وامرأة في أهلها، فكلهم أصحاب مسؤوليات ينبغي أن يرعوها بالعدل والرحمة والحكمة، وفي الحديث:"ما من أمير عشرة حتى يأتي يوم القيامة مغلولًا لا يفكه إلا عدله". (رواه الذهبي بسند حسن) ، وفي الحديث:"من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة و شقّه مائل" (صحيح الترغيب للألباني)

فالزوج الذي تزوج امرأة ثانية مسئول عن العدل وإن لم يعدل كان له يوم القيامة عذاب وفضيحة على رؤوس الأشهاد.

والثاني من السبعة:"شابٌّ نشأ في عبادة ربه"

لأن عبادته أشق؛ لغلبة شهوته؛ وكثرة الدواعي لطاعة الهوى، فملازمته العبادة حينئذ أشد وأدل على غلبة التقوى. وفي حديث سلمان:"أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله"، وفي الحديث أيضًا:"إن الله ليعجب من الشابٍّ ليست له صبوة"مسند أحمد

والثالث من السبعة:"رجل ذكر الله بلسانه أو بقلبه"

حال كونه (خاليًا) من الخلق؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، أو خاليًا من الالتفات إلى غير الله تعالى وإن كان في ملأ -"ففاضت عيناه"، من الدمع لرقّة قلبه وشدة خوفه من جلال الله أو مزيد شوقه إلى جماله، وهذه الخشية التي جعلته في دموعه ومناجاته لربه وتذكّره لجلاله واستحضاره لعظمته هي الأساس الذي يجعل قلب هذا المسلم مع الله ممتثلًا لأمره، منتهيًا عمّا نهى عنه، حريصًا على معرفة الصفات الكريمة التي تقرّبه إلى الله.

وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري:"ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها .."، (

والمعنى كنائي أن الله يكون في رعايته وفي حفظه وفي عونه، وهؤلاء الشباب وهؤلاء المؤمنون يكونون في رعاية الله تبارك وتعالى.

والرابع من السبعة:"رجل قلبه مُعلّق (كالقنديل) في المساجد"من شدة حبه لها وإن كان جسده خارجًا عنها. وكُنّي به عن انتظار أوقات الصلوات فلا يصلي صلاة في المسجد ويخرج منه إلا وهو ينتظر أخرى ليصليها فيه، فهو ملازم للمسجد بقلبه وإن عرض لجسده عارض.

والخامس من السبعة:"رجلان تحابّا في الله"، أي لأجل وجهه الكريم ونصرة لدعوته وحبًّا لدينه لا لغرض دنيوي،"اجتمعا عليه"، وفي رواية"اجتمعا على ذلك"، أي على الحب في الله والنصرة لدين الله والولاية لجماعة المؤمنين والعمل في جماعة ترفع راية الإسلام وتدعو لإقامة حكمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت