وأما الجزاء فإنهُ تشبيتُ المحسنِ والراحةُ من المسيء.
بماذا يُستطاع السلطان؟
لا يُستطاعُ السلطانُ إلا بالوزراء والأعوانِ، ولا ينفعُ الوزراء إلا بالمودةِ والنصيحةِ، ولا المودةُ إلا مع الرأي والعفاف.
وأعمالُ السلطانِ كثيرةٌ، وقليلٌ ما تستجمعُ الخصالُ المحمودةُ عند أحدٍ، وإنما الوجهُ في ذلك والسبيلُ الذي به يستقيمُ العلم أن يكون صاحبُ السلطانِ عالمًا بأمورِ من يريدُ الاستعانةَ به وما عند كل رجلٍ من الرأي والغناء، وما فيه من العيوبِ.
فإذا استقر ذلك عنده عن علمهِ وعلم من يأتمنُ وجهَ لكل عملٍ من قد عرف أن عندهُ من الرأي والنجدةِ والأمانةِ ما يحتاجُ إليه فيهِ، وأن ما فيه من العُيوبِ لا يضر بذلك، ويتحفظُ من أن يوجه أحدًا وجهًا لا يحتاجُ فيه إلى مروءةٍ، إن كانت عندهُ، لا يأمنُ عيوبهُ وما يكرهُ منه.
ثم على الملوكِ، بعد ذلكَ، تعاهدُ عمالهم وتفقد أمورهم، حتى لا يخفى عليهم إحسانُ محسنٍ ولا إساءةُ مسيء.
ثم عليهم، بعد ذلكَ، أن لا يتركوا محسنًا بغيرِ جزاءٍ ولا يقروا مسيئًا ولا عاجزًا على الإساءةِ والعجزِ. فإنهم إن تركوا ذلك، تهاونَ المحسنُ، واجترأ المسيءُ، وفسد الأمرُ، وضاعَ العملُ.
الدنيا دُول
اقتصارُ السعي إبقاءٌ للجمامِ، وفي بعد الهمةِ يكون النصب، ومن سأل فوق قدرتهِ استحق الحرمانَ، وسوءُ حملِ الغنى أن يكونَ عند الفرحِ مرحًا، وسوءُ حملِ الفاقةِ أن يكون عند الطلبِ شرهًا، وعارُ الفقر أهونُ من عار الغنى، والحاجةُ مع المحبةِ خيرٌ من الغنى مع البغضةِ.
الدنيا دولٌ، فما كان لك منها أتاكَ على ضعفكَ، وما كان عليك لم تدفعهُ بقُوتكَ.
المثل أوضح للمنطق
إذا جعل الكلامُ مثلًا، كان ذلك أوضحَ للمنطقِ وأبيسَ في المعنى وآنق للسمعِ وأوسعَ لشعوبِ الحديثِ.
لا مال أفضل من العقل
أشد الفاقةِ عدمُ العقلِ، وأشدّ الوحدةِ وحدةُ اللجوجِ، ولا مال أفضلُ من العقلِ، ولا أنيس آنسُ من الاستشارةِ.
كن ستورًا
مما يعتبرُ به صلاحُ الصالحِ وحسنُ نظرهِ للناسِ أن يكونَ إذا استعتبَ المذنبُ ستُورًا لا يشيعُ ولا يذيعُ، وإذا استشيرَ سمحًا بالنصيحةِ مُجتهدًا للرأي، وإذا استشارَ مطروحًا للحياء منفذًا للحزمِ معترفًا للحقّ.
الحارس والمحروس
القسم الذي يقسمُ للناس ويمتعونَ به نحوان: فمنهُ حارسٌ ومنهُ محروس، فالحارسُ العقلُ، والمحروسُ المالُ، والعقلُ، بإذن اللهِ، هو الذي يحرزُ الحظ، ويؤنسُ الغربةَ، وينفي الفاقةَ، ويعرفُ النكرة، ويثمرُ المسبكبة، ويطيبُ الثمرةَ، ويوجهُ السوقةَ عند السلطانِ، ويستنزلُ للسلطانِ نصيحةَ السوقةِ، ويكسبُ الصديقَ، ويكفي العدو.
الأدب العظيم
كلامُ اللبيبِ، وإن كان نزرًا، أدبٌ عظيمٌ، ومقارفةُ المأثم، وإن كان محتقرًا، مصيبةٌ جليلةٌ. ولقاءُ الإخوانِ، وإن كان يسيرًا، غنم حسنٌ.
أجناس الناس
قد يسعى إلى أبوابِ السلطانِ أجناسٌ من الناسِ كثيرٌ، أما الصالحُ فمدعو، وأما الصالحُ فمقتحم، وأما ذو الأدبِ فطالبٌ، وأما من لا أدبَ لهُ فمختلسٌ، وأما القوي فمُدافعٌ، وأما الضعيف فمدفوعٌ، وأما الحسنُ مستثيب، وأما المسيء فمستجير. فهو مجمعُ البر والفاجر، والعالمِ والجاهلِ،