فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 330

فكل مسلم لا يبرأ من المشركين، أو يواليهم ويؤثرهم على أبناء دينه، يتولد في نفسه حبهم، مما يجعله متعلقا بأسباب الدنيا الظاهرة، المتمثلة بقوة من يواليهم المادية، وتقلبهم في البلاد، ومن ثم يغتر بهم ويتصف بصفاتهم، إنهم المنافقون الذين أفقدهم غرورهم وكبرهم حب الله ورسوله والمؤمنون. لذلك تظهر حميم العلاقة بينهم وبين أهل الكتاب التي بيَّنَ الله خفايا هذه العلاقة وأسرارها بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (التوبة:34 - 35) .

لقد قرن الله تعالى بين صفات الأحبار والرهبان من حيث أنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، عموم الناس فلا يتوانون أن يأكلوا أموال من يتبعوهم وذويهم وأهلوهم، فكيف بمن يعادونهم، وأنهم أي الأحبار والرهبان ليصدون عن سبيل ويمنعون أي محاولة للخير، هذه هي أشهر صفاتهم لأنهم لو آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر، ما فعلوا ذلك.

ثم قرن بينهم بالأحبار والرهبان، فما سر هذه المقارنة؟ إن السياق القرآني والحديث عن أهل الكتاب قبل هذه الآية والتي تلتها، والعذاب الذي سيصيبهم من جراء كنزهم لهذه الأموال ليظهر صنف هؤلاء الناس الذين أسهب القرآن في ذكر أخبارهم ومخازيهم، فمعلوم أن المنافقين لا يتوانون لحظة عن أكل أموال الناس بأي طريقة كانت، وبالتالي فهم من أكثر الناس حبا للمال وجمعه وإمساكه، يقول الرازي في تفسير {والذين} احتمالات ثلاثة:

الأول: أولئك الأحبار والرهبان.

الثاني: يحتمل أن يكون المراد منه مانعوا الزكاة من المسلمين.

الثالث: ويحتمل أن يكون المراد كلَّ من كنز المال ولم يخرج حقوقه الواجبة، سواء كان من الأحبار والرهبان، أو كان من المسلمين، ونقل عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قولا يؤيد الاحتمال الثالث، ردًا على معاوية - رضي الله عنه - عندما قال:"هذه الآية نزلت في أهل الكتاب"فقال أبو ذر:"إنها فيهم وفينا" [1] .

وبعد استعراض الأقوال أرى أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ} تخصُّ المسلمين فقط ممن يرفضون دفع الزكاة، للأسباب التالية:

1 -أن إعمار المساجد لا يكون إلا ممن آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التوبة:18) .

(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/43، فتح القدير للشوكاني: ج/1.، ص/725،وزاد المسير للجوزي: ص/580 باختصار,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت