فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 330

المطلب الرابع: صفات المبايعين:

بعد أن بيَّن الله تعالى ورغب بصفقة الشراء الربانية، والتي يتم بموجبها أن يتلف العبد الصالح نفسه ويبذل ماله رخيصا، دخولا في صفقة الله، وحبا لأمره، وطمعا في جنته، ليفوز فوزا عظيما، هذا البيان يتلوه بيان لصفات الذين تمت الصفقة معهم، أو الشروط التي يجب أن يتصف بها صاحب البيعة مع الله، قال تعالى:

{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة:112) .

اختلف أهل التأويل في هذه الآية، جماعة قالت: أنها منفصلة، على أساس أن كل موحد يجب أن يدخل تحت تلك المبايعة مقاتلا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وإن لم يتصف بتلك الصفات، وآخرون قالوا: أن الآيتان مرتبطتان، فلا يدخل في البيعة إلا المؤمنون الذين اتصفوا بهذه الصفات، وأن هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط لبذل الأنفس والأموال في سبيل الله تعالى [1] .

وما يدعم القول الثاني نقل أهل اللغة أن إعراب كلمة {التائبون} جاء على عدة وجوه كما نقل أبو السعود: (الوجه الأول: رفع على المدح، أي هم التائبون يعني المؤمنون، كما يدل عليه القراءة بالياء نصبا على المدح، والوجه الثاني: ويجوز أن يكون مجرورا على أنه صفة للمؤمنين، الوجه الثالث: ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف أي التائبون من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا، كقوله: {وَكُلَّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} ، الوجه الرابع: ويجوز أن يكون خبره قوله تعالى: {الْحّامِدُون} ، وما بعده خبر ما بعده خبر، أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه النعوت الفاضلة أي المخلصون في عبادة الله تعالى) [2] .

كما جعل الطبري هذه الصفات شرطًا لكل مجاهد صادق في بيعته مع الله [3] ، وبالتالي فإن الله تعالى قد جعل هذه الشروط سببا للتمكين في الأرض للمنتصرين، وسببا لدخول الجنة، جاهد في سبيل الله أم لم يجاهد، وذلك أن الجهاد في سبيل الله تعالى ليست إرادة قتالية، أو انتقاما للنفس من ظالم، أو شهوة اعتداء على ضعيف، أو ردة فعل على حدث ما! أو طمعا بسلب مال أو أرض؛ وإنما هو وازع ديني بأمر رباني، ومتطلب إيماني، تقوم به النفس، بعد أن تسمو عن صغائر الذنوب ناهيك عن كبائرها، لترقى بنفسها وتنشر دين الله في الأرض، مسلحة بالتوبة الدائمة، والعبادة القائمة، آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، بعيدة عن المحرمات، حافظة للحدود والمحارم، يقول محمد على الصابوني: (هذه الآية تفصل وتوضح

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/5، ص/247 بتصرف.

(2) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود: ج/2، ص/452.

(3) جامع البيان للطبري: ج/11، ص/27 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت