أمرهم ويهتدوا طريقهم من خلال الشعاع والنور الذي رسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، وليبقى آخر ما نزل من قواعد تنظيم العلاقات في القرآن الكريم التشريع الأساس لتنظيم هذه العلاقة، من أجل الهدف الأساس، التي من أجلها أرسل الله الرسل، قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:92) ، ليكون المجتمع المسلم قويا متينا لقوله - صلى الله عليه وسلم - (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى" [1] ، وهذا يقودنا إلى أمر مهم في نوعية العلاقات الإسلامية، ألا وهو مبدأ نصرة المؤمنين ومولاتهم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (الأنفال:72) ، وبناء على هذا التأصيل فإن تنظيم علاقات المسلمين مع غيرهم يجب أن تبني على هذه القواعد ويستهدى بها في رسم كافة العلاقات معهم."
ابتدأ الله سورة التوبة بقوله: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} (التوبة:1) ، مما يعني قطع العلاقة معهم إذا لم يلتزموا العهد الذي قطعوه على أنفسهم مع المسلمين.
يقول الفخر الرازي: (قد أذن الله في معاهدة المشركين، فاتفق المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاهدهم، ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين) [2] .
وقال البغوي [3] : (لمَّا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر الله بنقض عهودهم) [4] . فالبراءة ها هنا، كما نقل ابن الجوزي في زاد المسير عن المفسرين: (قطع الموالاة وارتفاع العصمة، وزوال الأمان) [5] .
والخطاب في قوله {إلَى الَّذِين عَاهَدتُّم} لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو الذي كان يتولَّى المعاهدة، وأصحابه راضون؛ فكأنَّهُم بالرضا عاهدوا أيضا؛ وهذا عام في كل من عاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [6] . فالهدف حماية المسلمين من غدر الخائنين، والمقصد سلامة الدين
(1) صحيح مسلم: ك/البر والصلة والآداب، ب/تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ج/4، ص/1999،ح/2586.
(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/14، ص/ 217.
(3) أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ولد 436 وتوفي 516 هـ صاحب التصانيف المتعددة محي السنة الفقيه المفسر، انظر الموسوعة العربية العالمية الشاملة: ج/5، ص/16، ط/2، 1999 م، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع- الرياض.
(4) معالم التنزيل للبغوي: ج/ 2، ص/224، دار الكتب العلمية، بيروت. ط/1/ 1993 م،
(5) زاد المسير لابن الجوزي: ص/566.
(6) زاد المسير لابن الجوزي: ص/566.