فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 330

مضر تحرم رجب نفسه، فلذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (الذي بين جمادى وشعبان) [1] ، كما كانوا يسمون رجب بـ"مُنَصِّلِ الْأَسِنَّة"فعن أبي رجاء العطاردي [2] ، أنه قال: (كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طفنا به فإذا دخل شهر رجب قلنا منصل الأسنة، فلم ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه شهر رجب؟) [3] .

بينت الآيات السابقة لهذه الآية الكريمة محاولات عموم الكافرين إطفاء نور الله والصد عن سبيله وأكلهم أموال الناس بالباطل، محاولين بكل السبل تغيير معالم الدين لبقاء مصالحهم بما يناقض الفطرة التي فطر الله الناس عليها، يقول الرازي: (من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، إقدامهم على السعي في تغيير أحكام الله بالنسيء، فكان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السَّنَةِ بحسب أهوائهم، زيادة في كفرهم وحسرتهم ... فبسبب نقصان أيام السنة القمرية عن الشمسية، وتنقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، شق عليهم حضور الحج حيث يكون سببا في إخلال تجارتهم) [4] ، فأحدثوا النسيء يقدمونه ويؤخرونه حسب أهوائهم، ويقول البقاعي: (وكانوا يحترمون الأشهر الحرم، فلا يعرض الرجل لقاتل أبيه فيها، فيشق عليهم ترك حروبهم لثلاثة أشهر متوالية، فجعلوا النسيء لذلك، فتتأخر الأشهر الحرم عن وقتها {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر} خلاف ما شرعه الله، وستر تحريم ما أظهر الله تحريمه) [5] ، وفي ذلك بيان لشدة الظلم الذي كان عليه العرب والمرض الذي يملأ قلوبهم الخاوية من الإدراك والفهم.

وبما إن قوامة الدين تعتمد على العدل في كل شيء، لاستمرار الحياة القائمة على تحريم الظلم الذي حرَّمه الله على نفسه وحرمه على خلقه، فعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيما يروي عن ربه أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .. ) [6] ، فالظلم الواقع على الأبرياء من قبل الظالمين أوجب على المتقين قتالهم من باب إقامة العدل فيهم، كي لا يعتدوا، يقول سيد قطب: (فالكف عن قتال المعتدين يضعف الخييرين المنوط بهم حفظ المحرمات، ووضع حد للمعتدين والمفسدين، وتعم الفوضى في الأرض) [7]

البند الثاني: النسيء:

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/5، ص/140.

(2) عمران بن مِلْحان وقيل بن تيم، العطاردي البصري، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، روى عن عمر وعلي وعثمان وعائشة وغيرهم، وعنه أيوب وجرير بن حازم وغيرهما الكثير، ثقة أمَّ قومه أربعين سنة توفي 107 هـ، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/4، ص/406.

(3) صحيح البخاري: ك/المغازي، ب/وفد بني حنيفة، ج/2، ص/867، ح/4376.

(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج 15، ص/49 - 50 باختصار وتصرف.

(5) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/308 بتصرف.

(6) صحيح مسلم: ك/البر والصلة والآداب، ب/تحريم الظلم، ج/4، ص/1994، ح/2577.

(7) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1652 باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت