النسيء لغة: نُسِئت المرأة: تأخر حيضها، ونسأ الشيء أخره، والنسء: التأخير يكون في العمر والدَّيْن، والنسيء شهر كانت العرب تؤخره في الجاهلية، فنهى الله عزَّ وجل عنه [1] .
يقول الواحدي [2] (كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، فيجعلون المحرم صفرًا، فيستحلون المحرمات، فأنزل الله هذه الآية) [3] : {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (التوبة:37) ، فتتغير مواقيت العبادة التي وضع مواقيتها العليم الخبير.
يقول السيوطي: (إن العرب كانوا أصحاب حروب وغارات، فشق عليهم تركها في الأشهر الحرم؛ لأنها كانت محرمة عليهم، فيحرمون شهرًا آخر بدلا من الشهر الحرام. وربما أحلوا المحرم وحرَّموا صفر، حتى يكملوا في العام أربعة أشهر محرمة) [4] .
ويقول البقاعي: (ولمَّا بين ما في النسيء من القباحة تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون عاقبتها فكانوا غير خارجين عن دائرة التقوى بالكلية) [5] .
لذا فإن من يسوغ لنفسه الرخص للتعدي على الحدود متعللا بالمصالح عليه أن يعلم أن الخير في شرع الله والتزام حكمه، وأن أي تأخير أو تقديم لهذا الحكم يؤدي إلى انتهاك حرمات الله وتجاوزٍ لحدوده.
المبحث الأول
غزوة حنين
ويشتمل على خمسة مطالب:
(1) لسان اللسان لابن منظور: ج/2، ص/611، دار الكتب العلمية/ بيروت، ط/1/ 1993 م
(2) على بن أحمد بن محمد أبو الحسن الواحدي النيسابوري، صنف في التفسير وأسباب النزول، وغيرها الكثير، مات 468 هـ، انظر شذرات الذهب 3/ 330، والبداية والنهاية لابن كثير 12/ 114 وغيرهم.
(3) أسباب النزول للواحدي: ص/203.
(4) معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي: ج/2، ص/541.
(5) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/308.