إن ما سبق من الآيات وخاصة دعوة الله تعالى إلى مجاهدة الذين يلوننا من الكفار، ومن يرتبط بهم من المنافقين الذين في قلوبهم المرض، وبسببه صرفوا أنفسهم عن طاعة الله، وصدوا عن سبيله، ثم تلي بعد ذلك بيان بعض صفات الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم -، الذي يؤلف حوله القلوب المؤمنة، الملتزمة بحب الله وطاعته، وحب قائدهم الحاني الشفيق ليبين لنا الله تعالى بعض صفات القادة الصادقين الذين يصلح الله بهم حال الأمة بعد انحرافها، فأمتنا اليوم تعيش حالة الصدَّ، وضمن الهدف النفاقي، والعدوان الصليبي واليهودي، وبالتالي ألسنا بحاجة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى لرد العدوان واسترداد الحقوق، تحت إمرة قائد رباني بشرت به الآية الكريمة لينير لنا طريق العتمة، والظلم، ويحررنا من جبروت الطاغوت، ألسنا بحاجة إلى رجل رشيد، يتسم بهذه الصفات؟ يشق عليه حالة الذل والهوان التي تعيشها أمتنا، حريص على تحرير نفوسنا من ظلمها، وتحرير البلاد والعباد من ظلم المعتدين والمحتلين.
-ألسنا بحاجة اليوم إلى قدوة صالحة تتمثل أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهداياته وإشاراته؟.
-ألسنا بحاجة إلى قائد رؤوف بجنده وشعبه حريص على سلامة دينهم، لئلا يكونوا أذلة صاغرين؛ يحيون حياة السمع والطاعة والعزة والأنفة، حتى يمنَّ الله عليهم بالنصر، وحسم الأمر مع المنافقين، ورد كيد المعتدين المجرمين.
لذلك لا بد لكل مسلم يتمنى مرضاة الله تعالى، ويحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويدين بهذا الدين الحق، أن يلتزم شمولية هذا الدين، وأن يكون في رقبته بيعة للصالحين المجاهدين في كل زمان ومكان، من أتباع سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -، الذين توفرت فيهم صفات القائد الرباني، من خلال صلاحهم وتقواهم.
قبل البحث في حقيقة التوكل وأهميته للمبايع، لا بد من التعرف عليه لغة واصطلاحا،
فالتوكل لغة: أصلها: وَكَلَ، في أسماء الله الوَكِيلُ، وهو المقيم الكفيل بأرزاق العباد، والوكيلُ في صفة الله تعالى: الذي توكل بجميع ما خلق، وَالمُتَوَكِلُ على الله: الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده، واستسلم إليه، واعتمد عليه [1] .
التوكل اصطلاحا هو: (القيام بالأسباب، دون الاطمئنان إليها، فلا يرجوها ولا يخافها أو يركن إليها؛ بل قائما بها، ناظرا إلى مسببها ومجريها سبحانه، فلا يصح التوكل شرعا وعقلا، إلا عليه تعالى؛ لأنه وحده مسبب الأسباب) [2] .
(1) لسان اللسان لابن منظور: ج/2، ص/758.
(2) مدارج السالكين لابن القيم: ج/3، ص/522 باختصار وتصرف، دار الكتب العلمية/ بيروت، بدون طبعة