فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 330

المطلب الثاني: صور من فضائح المنافقين وإرجافهم في خذلان المسلمين:

لقد رسم القرآن بمجموعة من الآيات شخصية المنافق، المشتملة على مجموعة من الصور المقيتة والخطرة، (فجوانب شخصيتهم المرتبطة إما بأسباب النزول، أو من خلال حوادث واقعية تمثل في مجملها نمطا من أنماط حياتهم وسلوكهم لترسم حركة المجتمع) [1] ، ليدرك المؤمنون خطرهم الحقيقي، وفنهم في المرواغة والالتفاف، ولعبة التلون، التي يجيدونها، لتظهر حقيقة المنافقين ومقاصدهم الخبيثة، وعداوتهم الخفية والبينة للمؤمنين، وليأخذ المؤمنون حذرهم منهم، ومن هذه الصور:

الصورة الأولى: كثرة الحلف والتعلل الكاذب: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة:42 - 43) ،

أظهر الله حقيقتهم في سعيهم لمصالحهم دون شوكة، فتعللوا بطول الشقة وبُعْدَ المسير ليتخلفوا، واستعدوا بالحلف الكاذب ليسلموا، يقول سيد قطب: (كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب من أجل عرض تافه أو مطلب رخيص، يصاحبهم كذب الضعيف، ولو بدا في صورة الجبارين، ويخيل إليهم أن كذبهم سينجيهم، والله يكشفه للناس، فيهلكهم في الدنيا بكذبهم، وفي الآخرة عذاب أليم؛ يوم لا ينفع النكران ولا الحلفان) [2] .

{عَفَا اللهُ عَنْكَ} بدأ الله هذه الآية بالعفو على سيد البرية - صلى الله عليه وسلم - ليرسم صورة من الرحمة، ويضفي جوا من الألفة والطمأنينة على قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم -، حيث (قدم {عَفَا} في معرض المعاتبة الهينة اللينة، ورأفة به - صلى الله عليه وسلم - .. وأحسن من قال: إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداءً: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} لتفطر قلبه - صلى الله عليه وسلم -) [3] ، كما أن الآية تعطينا إحساسا بتحري الخطر ومكامنه وأخذ الحذر، فلا بد من تتبع أمر المرجفين، (حتى لا يتدارى المتخلفون خلف إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بالقعود قبل أن ينكشف أمر الصادق من الكاذب، فتنكشف حقيقتهم ويسقط عنهم"النفاق"ويظهرون على طبيعتهم، ولا يتوارون خلف رسول الله) [4] ، أو من يمثله ومن ينوب عنه.

الصورة الثانية: أهل الريب والتردد: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ*إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (التوبة:43 - 44) .

(1) الشخصيات القرآنية د. نزيه محمد اعلاوي: ص 263، دار صفاء للنشر والتوزيع - عمان، ط/1/ 2006 م.

(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1662 بتصرف.

(3) إعراب القرآن الكريم لمحيي الدين درويش: ج/3، ص/220,

(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1662

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت