وضع القرآن قواعد أسس إدارة العلاقات البشرية، وبيان طبقات الناس وغير ذلك، ففي هذه الآية ترسخ لدى المؤمن، قاعدة حب الجهاد سابقا، {انْفِرُوا خِفَافًَا وَثِقَالًَا} ، بعد أن عَلِمُوا خطورة المتقاعسين بقوله: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ} ، لذا فهم لا يستأذنون في أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ولا يليق بمؤمنٍ أن يستأذن، يقول سيد قطب: (فالذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، لا ينتظرون أن يؤذن لهم، ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة .. بل يسارعون خفافا وثقالا، طاعة لأمره .. وابتغاء مرضاته .. ) [1] ، هذه هي الفئة التي فضحت نفسها بالأعذار الواهية، ففضحت سوءتها، ببيان خبيئة قلوبها المريضة والمرتابة والمترددة.
الصورة الثالثة: حب نشر الفتن: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ* لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ*لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ*وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (التوبة:46 - 49) .
لقد امتلكوا وسائل الخروج، فاعتذروا كراهية في الجهاد، فعاقبهم بعقابٍ يرغبونه، فجعلهم من القاعدين، يقول سيد قطب: (تخلفوا مع الذين لا يستطيعون الغزو، فهذا مكانكم اللائق بالهمم الساقطة، والقلوب المرتابة، والنفوس الخاوية من اليقين) [2] . فخروجهم بكذبهم وإرجافهم في الصف المجاهد، وفتنتهم فيه، إنما لبث الخور والضعف والتخذيل والتفريق بين المؤمنين، لذا كره خروجهم، مراعاة لأوليائه، يقول سيد قطب: (ولكن الله يرعى دعوته ويكلأ رجالها المخلصين، كفى المؤمنين فتنة، فترك المنافقين المتخاذلين قاعدين: {وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .. والظالمون هنا معناهم"المشركون"فقد ضمهم كذلك إلى زمرة المشركين! [3] .
لقد فضح الله مكرهم الخفي، ومؤامراتهم المتواصلة، ودسائسهم الدنيئة، وكشف خبث بواطنهم، وسعيهم بالفتنة ليس وليد خوفهم من شوكة في غزوة تبوك، بل من أول قدوم المسلمين المدينة، (وظهرت أول خيانة خسيسة قاموا بها، في غزوةِ أُحُدٍ حيث تمرد ثلث الجيش ورجعوا، قال تعالى: {لَوْ نَعْلَمُ قِتِالاَ لاتَّبَعْنَاكُم} (آل عمران:167 ) ) [4] ، وقبل ذلك، يقول الرازي: (أي قبل وقعة تبوك .. أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -) [5] ، فقد كان سعيهم الحثيث في افتعال الدسائس والمؤامرات والكيد بشتى الحيل وما زالوا، وكيف تخرج أفواههم سموم قلوبهم وما تخفي صدورهم أكبر من حقد وحسد وكراهية، عندما يجيء الحق
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1662 باقتباس.
(2) المصدر السابق، ص/1663.
(3) المصدر السابق: ص/1663.
(4) القصص القرآني للأستاذ الدكتور أحمد الكبيسي: ص 280 باختصار. دار الكتاب الجامعي- العين الأمارات، ط/1/ 2003 م.
(5) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/83.