فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 330

البقاعي عند تفسيره لكلمة ( {هَذَا} وهو آخر سنة تسع سنة الوفود مَرْجِعُهُ - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك) [1] ، ليبين الله تعالى الحكم النهائي في تحديد العلاقات مع المشركين، الذي سعى - صلى الله عليه وسلم - إلى القضاء على الوثنية في الجزيرة العربية من خلال دعوته وجهاده فيهم لهدايتهم، فتوافق فعله مع قوله - صلى الله عليه وسلم - والآية الكريمة، حيث كان من آخر وصاياه - صلى الله عليه وسلم - إخراج المشركين من جزيرة العرب، وكذلك اليهود والنصارى، وألا يجتمع في جزيرة العرب دينان، فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [2] ، وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع فيها إلا مسلما) [3] ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يبقين دينان بجزيرة العرب) ، وقد فعل عمر بن الخطاب فأخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب [4] .

هذا النصوص النبوية المُحْكَمة، التي تتوافق والآية الكريمة وغيرها من الآيات، الواضحة الدلالة، تبين بما لا يدع مجالا للشك أن قطع العلاقة نهائيا مع المشركين عموما؛ ضرورة عقدية وحاجة أمنية وعسكرية، وخاصة ممن أوغلوا بكفرهم وشركهم واستهزائهم بالله وبرسوله، وبعدوانهم المتواصل على المسلمين، وأن لا يبقى منهم أحد في ديار المسلمين، وألا يُسْمَح لأحد منهم بالاقتراب من حرمات المسلمين، لكونهم نجس ولقوله تعالى {فَلاَ يَقْرَبُوا} ناهيك عن إتيانه. قال البقاعي: (فعبر بقربانه لا بإتيانه بعد التقديم إليهم بأن لا يقبل من مشرك إلا الإسلام أو القتل إشارة إلى إخراج المشركين من جزيرة العرب) [5] . إن نجس المشركين كونهم أوغلوا في الشرك، وأنهم لا يدركون للطهارة معنى، فالهدف وضع حدًٍ لهذه العلاقة معهم بإبعادهم وإخراجهم، والمقصد حفظ البيت الحرام طاهرا، وسلامة دين المسلمين من نجاستهم الظاهرة والباطنة مقصد أساس وعظيم في هذه الآية.

البند الثالث: تنظيم العلاقة مع أهل الكتاب وتحديدها:

قال الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29) ، لقد حدد الله تعالى العلاقة بالمشركين وأمر المسلمين محاورتهم باللغة التي

(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/296.

(2) البخاري: ك/ المغازي، ب/مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته ص/878، ح/4431.

(3) صحيح مسلم: ك/الجهاد والسير، ب/إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ص/1388، ح/1767

(4) موطأ الإمام مالك: باب السير، ب/نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك، ص/312، ح/874.

(5) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت