على المسلمين، لم يبقوا ولم يذروا، ولا راقبوا فيهم قرابةً ولا عهدا، وكل ما يقدمونه الكلمة المنافقة، بينما قلوبهم ممتلئة حقدا، وأعمالهم شريرة) [1] ، كما أوجب الله قتال أئمة الكفر لأنهم أصحاب المسئولية في نكث الأيمان والغدر والطعن بالدين، قال الله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} (التوبة:12) ، ليرتدع أتباعُهم، لتكون فرصتهم بالتوبة أكبر، يقول البقاعي: (ولمَّا كان هذا الفعل يستقل به الأغلب إلا الرؤساء أشار إلى ذلك بقوله: {فّقَاتِلُوا} ، ووضع موضع ضميرهم تحريضا على قتالهم، وأنهم ما نكثوا إلا كونهم أئمة للكفر، فالعوام لا يقدرون أن ينكثوا إلا إتباعا لأئمتهم، ولذلك بقطع الرأس ينقطع الذنب) [2] . {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُم} بالوفاء، {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} فأنتم أولى بالوفاء لأنها من صفات المتقين الذين يحبهم الله تعالى.
ثالثا: تحديد العلاقة مع المشركين الأقارب: حَّدَد الله العلاقة مع المشركين من الأقارب وهم الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والعشيرة، ولأنهم الأقرب إلى النفس ولا غنى للمرء عنهم، ومع ذلك بيَّنَ خطورة موالاتهم إن استحبوا الكفر على الإيمان، بل وحذَّر من أن يرضى المؤمن بكفر ذوي القربى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:23 - 24) ، وذكر الرازي دواعي مخالطة الكافرين من هاتين الآيتين أربعة أمور:
(أولها: مخالطة الأقارب: الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، والبقية بلفظ(العشيرة) .
ثانيها: الميل إلى الأموال المكتسبة وإمساكها.
ثالثا: الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة.
رابعها: الرغبة في المساكن) [3] .
هذه دواعي مخالطة الكافرين شريطة ألا يرضى المؤمن بكفرهم ولا يكون معجبا بأي من أحوالهم، وألا تتقدم هذه الدواعي على حب الله ورسوله وجهاد في سبيله.
رابعا: قطع العلاقة نهائيا مع كافة المشركين: ويكون ذلك مع كل مشرك أظهر شركه وكفره منهجا، واستمرأه حياة، لحقيقة نجسهم التي أقرها الله فيهم، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيم} (التوبة:28) ، في هذه الآية الكريمة، يذكر
(1) المصدر السابق: ج/3، ص/2220.
(2) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 277، باختصار وتصرف.
(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/19.