لكل مسلم، لأن بقاء العلاقة بهذه الصورة تورث في النفس الذل والهوان، مما يؤثر على دين المرء، ومن هذه المحددات التالي:
أولا: ضرورة التفريق بين منْ وفَّى بعهده ومن غدر أو نكث: ولذلك استثنى الله تعالى من البراءة ومن قطعِ العلاقة الموفون بعهدهم من المشركين، بشرطين:
الأول: ألا ينقصوا من عهدهم شيئا، بأن يكون عهدهم ووفاؤهم به كاملا.
الثاني: أن لا يظاهروا على المؤمنين أحدا بنصر أو مؤازرة أو مدد، أو أي شكل من أشكال الدعم والعون، قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:4) ، وبذلك يتم تحديد العلاقة بين المسلمين وفئة من المشركين شريطة التزام المشركين بعهودهم، ليأمن المسلمون جانبهم وليشحذ في نفوس المؤمنين بحسن الريادة والعزة والمنعة والقوة، والمقصد من ذلك كما قال الفخر الرازي: (أن الذين ما غدروا أو هيجوا أقواما ضد المسلمين أو نصروهم أو رَغَّبُوا في حرب المسلمين، فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين، بإتمام العهد كامل الأداء) [1] . ويقول الشوكاني: (أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص، {إِلَى مُدَّتِهِم} التي عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين) [2] .
ثانيا: ضرورة الالتزام بالمدة التي حددها الله تعالى:
يجب أن لا يتساهل المسلمون بالمدة التي حددها الله لتحديد العلاقة مع المشركين الملتزمين بعهودهم، لأن المقصد إعلاء كلمة الله تعالى، فإن لم يلتزم المشركون بالدين منهجا' فلهم الخيار في أن يدفعوا الجزية، أو يستعدوا للقتال مع إعطائهم فرصة التوبة، لأن المقصد من ذلك أن يسود الإسلام، قال الله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} (التوبة:5) ، يقول الشيخ سعيد حَوَّى [3] : (ثم أمرنا أن نقصدهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، وأن نترصدهم في مسالكهم، ونضيق عليهم الواسع، ونضطرهم إلى القتل، أو الإسلام بإعلان التوبة، بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن أحد منهم طلب الأمان فليأخذه، وإنما شرع الأمان لمثل هؤلاء ليعلموا دين الله تعالى) [4] . ولضمان سلامة أمن المسلمين بيَّن الله تعالى المقصد من قتال وقتل المشركين، كخطوة احترازية، لأنهم إن يظهروا على المؤمنين يستبيحوا بيضتهم دون مراعاة لقرابة أو عهد أو ذمة، يقول سعيد حوى: (لو أنهم ظهروا
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/14، ص/224، بتصرف
(2) فتح القدير للشوكاني: ج/1، ص/709.
(3) هو سعيد بن محمد ديب حوى ولد بحماة لحق بركب الإخوان 1952 م درس على يد مصطفى السباعي وغيره، ألف تفسيره الأساس في سجنه، له مؤلفات كثيرة،، توفي في الأردن 1989 مـ، انظر ك/ من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، لعبد الله المقبل: باختصار ص/447 - 455، دار النشر والتوزيع الإسلامي- القاهرة، ط/1/ 2002 مـ.
(4) الأساس في التفسير لسعيد حوى: ج/3، ص/2220، باختصار، دار السلام/القاهرة.، ط/2/ 1991 م،