تناولت السورة الحديث عن المشركين في اثني عشرة موضعا [1] ، ففي أول السورة تم إعلان البراءة من القسم الأول من المشركين الذين نقضوا العهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع بيان وتوضيح غدرهم، وأن غدرهم هذا وحقدهم وكراهيتهم مهما بلغ؛ لن يعجزوا الله في شيء، ثم كانت البراءة منهم إعلانٌ على رؤوس الأشهاد في أعظم محفل عرفه التاريخ يومها، لبيان خطورة الشرك، فإذا انقضت المدة ولم يسلموا فليس أمامهم إلا القتل والتربص بهم وأخذهم، وحصارهم، وترصدهم، لإجبارهم على الهداية والإسلام، (الإسلام، الجزية، الحرب) .
أما القسم الثاني منهم فهم الذين التزموا مدتهم وأعطوا فرصتهم، وفرصة الاستماع منهم إلى كتاب الله، وبعد انقضاء المدة التي منحهم الله إياها، وأما القسم الثالث، ما ينبغي أن يكون لهم عهد عند الله، وعند رسوله، لأنهم كفروا بالله وأصروا عليه، بعد أن أقيمت عليهم الحجة، وأخذوا مدتهم، وصفهم الله تعالى بأنهم لا يرقبون في مؤمن إِلًا ولا ذمة، مما يدلل على شدة قساوتهم وبغضهم وكراهيتهم للمسلمين، لذلك أمر الله مرة أخرى بقتالهم ليس لأنهم كفار ومشركون فقط؛ بل لأنهم أهل غدر وخيانة، وظلم وعدوان وهموا بإخراج الرسول، وبدؤوا العدوان، لتكون نتيجة قتالهم وخزيهم وتعذيبهم يقودهم إلى بر الإسلام.
ثم نهى الله عن إعمار المشركين لبيت الله تعالى، وما ينبغي لهم ذلك، لعدم إيمانهم بالله تعالى، ثم تبين الآيات إلى ضرورة إعلان البراءة تماما من المشركين ولو كانوا أولي قربى من الآباء والأبناء وغيرهم، ثم بين علة البراءة ألا وهو نجس المشركين المعنوي والحسي، ثم ربط أهل الكتاب بالمشركين وأمر بقتالهم كونهم مشركين من قولهم على الله زورا وبهتانا عظيما، فأشركوا بالله، عزيرًا والمسيح عليهما السلام، ولمحاولاتهم العدوانية لإطفاء نور الله، واستمرارهم على الشرك، وتم استخدام الفعل المضارع"يشركون"للدلالة على استمرار شركهم وعدوانهم، وضاعة فعلهم الشركي والمستمر بإدعائهم الولد لله، تنزه الله عما يقولون علوا كبيرا، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون} (التوبة:31) ، ليبين نوع الصلة التي تجمع المشركين بأهل الكتاب في ادعائهم الولد لله تعالى، وكذلك صلتهم بالمنافقين.
البند الثاني: أهل الكتاب:
ذكر الله أهل الكتاب في سورة التوبة في مقطع صغير، بعد الحديث عن المشركين، ليحدد طبيعة العلاقة الشركية بين الوثنيين وبين أهل الكتاب، ونوعية العلاقة القديمة التي ينتهجها أهل الكتاب من خلال عدم إيمانهم بالله ورسوله ولا يمتثلون دين الحق، فلا يحلون حلالا ولا يحرمون حراما، لذا أوجب الله قتالهم لهذه الأسباب، ليكون هذا القتال من قبل المسلمين بمثابة
(1) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي: ص/380 - 381.