كَآفَّةً (التوبة:36) ، وبين عاقبة التخاذل وعدم النفير، فقال: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة:39) ، وقوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة:41) [1] ، فسورة التوبة تمثل الحرب الضروس من أولها لآخرها على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين، ومعلوم أن"بسم الله الرحمن الرحيم"فيها البركة والرحمة والأمان، والموقف الجهادي لا يتطلب رحمةً على الكافرين والمنافقين.
خامسا: أراد الله أن يحرم المنافقين من هذه البركة الذين خذلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواقف كثيرة، فلا أمان لهم، ولا رحمة أو بركة؛ بل البراءة منهم هو العنوان.
سادسا: بما أن البسملة هي وصال البركة، وصمام الأمان، ومعيار الطمأنينة، ومفتاح الخير، وآية الوصل والربط بين كل سورتين وموضوعين، والفاصلة بينهما، بالتالي حرمهم الله من الوصل بين خيرين لأنهم لا يسعون إليه ولا يحبونه، فهم حاجز عن كل خير، مانع لكل صلح، ساعين لوصال الكافرين، قاطعين كل رابط خّيِّرٍ مع المؤمنين، يوالون الكفار ويعادون المؤمنين، فمن ينظر إلى المنافقين اليوم، كيف يأتمرون بأمر الكافرين ويمتثلون أمرهم؟ يجد الصورة واضحة فيهم، فهم الفاصل بين خيرين، فلا إصلاح يرغبون وشرا يريدون، وبالوقيعة بين المسلمين يسعون، قطع الله بهم كل مرصد، ولم يفصلهم عن شرهم، لأنهم حصنوا به أنفسهم، فانطبق عليهم قول الله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (الأعراف:146) ، فلا يستحقون رحمة، إلا أن يتوب الله عليهم برحمةٍ منه وفضل، فيعودوا ويستغفروا ويتوبوا.
كما تراهم في حالة اضطراب دائم وقلق مستمر، فلا يدركون طمأنينة ولا طعما لراحة، دائمي الضجر والخوف، حرمهم الله الأمن والأمان، قال الله تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون:4) ، فَحُرِمُوا البركة، فكم من منافق اندثرت حياته بموته' أو في حياته قهرًا، فأُذْهَبُ الله خيره وخبره، وكثيرٌ أنكره ورثته، فكم جَمَعُوا وجَمَّعُوا، وكيف أصبحوا مثلا وعبرًا لغيرهم، قال الله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكذبين} (الأنعام:11) .
اختلف العلماء في أول ما نزل من (براءة) ، على ثلاثة أقوال:
(1) مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، ص/ 62 اقتباس، دار الكتب العلمية/بيروت، ط/1/ 2003 م.