ذلك [1] ، بخلاف سورة التوبة، التي لم تنزل بالبسملة، ولم تبدأ بما بدأت به غيرها وذلك للأسباب التالية:
أولا: سبب توقيفي، فعن يزيد الفارسي [2] قال: سمعت ابن عباس قال: لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فجعلتموها في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر"بسم الله الرحمن الرحيم"قال عثمان: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له:"ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها. فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال، ولم أكتب بينهما سطر"بسم الله الرحمن الرحيم" [3] .
ثانيا: حرمان المنافقين من الأمان والرحمة، (فعن محمد بن الحنفية [4] : قلت لأُبَيْ لمَ لمْ تكتبوا في براءة"بسم الله الرحمن الرحيم"؟ قال:"يا بني إن براءة نزلت بالسيف، وإن بسم الله الرحمن الرحيم أمان". وسئل سفيان بن عيينة عن هذا؟ فقال:"لأن البسملة رحمة، والرحمة أمان، وهذه نزلت في المنافقين") [5] .
ثالثا: ونقل عن قتادة [6] ، قوله: هما سورة واحدة [7] ، فهي سورة مستقلة عن الأنفال، وترك التسمية في هذه السورة لا مدخل لرأي أحد فيه، وإنما هو الوحي، وليس المقصود ههنا إلا إظهار صفة القهر الناتجة عن الوعيد والتهديد والعذاب، وهذا لا يتناسب مع آية الرحمة"البسملة" [8] .
رابعا: من خلال سورة التوبة وهي من آخر ما نزل من القرآن الكريم، حضَّ الله جل في علاه على القتال والجهاد أيما حضٍّ فيها فكان قوله: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} (التوبة:5) ، وبين محاسن الجهاد في أولها، فقال: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:14) ، وشجَّع على قتال كافة المشركين كما يفعلون، فقال: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ
(1) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج/3 ص/ 267.
(2) هو يزيد الفارسي المصري من والطبقة الرابعة روى عن ابن عباس انظر تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/6 ص/ 235،
(3) سنن الترمذي: ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة التوبة، ص/691، ح/3086، قال عنه الترمذي: حسن صحيح برواية يزيد الفارسي وبرواية يزيد الرقاشي ضعيف لأنه لم يلتقي ابن عباس.
(4) هو محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية وهي خولة بنت جعفر من الموالي، من أسند الناس عن علي، تابعي ثقة، صالح ولد في خلافة أبي بكر واختلف في وفاته، تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني: ج/5 ص/ 227 - 228.
(5) نظرات في كتاب الله لحسن البنا: ص/ 224 - 225،دار النشر والتوزيع الإسلامية، القاهرة ط/ 2002 م. بتصرف
(6) هو قتادة بن دعامة بن قتادة أبو الخطاب السدوسي روى عن جمع من الصحابة وعن بعض التابعين حافظا ومفسرا وفقيها، انظر تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/4 ص/ 540 - 543.
(7) زاد المسير لابن الجوزي ص/ 565 دار ابن حزم/ بيروت ط/ 2002 م. بتصرف.
(8) المقتطف من عيون التفسير لمصطفى المنصوري:، ج/2، ص/361 باختصار، الدار الشامية / بيروت، ط / 2/ 1996 م.