لقد تلاحقت الأصنام تباعا، والوثنية في الانهيار بعد فتح مكة وتم سحق البقية الباقية منهم في الطائف وما حولها، فانقشع ليل الشرك، وبدأ نور الإسلام يعم أرجاء الجزيرة العربية، واستقر الأمر في المدينة، والمسلمون يتطلعون إلى نشر الإسلام خارج حدودها، ساعين لتحقيق النصر على قوة الروم الأخطر والأقرب على المسلمين، وانزوى المنافقون خوفا من قوة المسلمين المتزايدة، يخفون في صدورهم انتقامًا دفينًا، بانتظار غزو الروم، لينجلي أمر المدينة عن أربعة أنماط في المجتمع المسلم:
-أناس ملكوا القدرة والإرادة، فلبوا النداء، وتسابقوا في الإنفاق والجهاد.
-وآخرون ملكوا الإرادة والنية الصادقة، لكنهم لم يملكوا القدرة فلم يخرجوا لعذرهم.
-وآخر ملك القدرة والإرادة، إلا أنه تخلَّف دون عذر، عوقبوا وتاب الله عليهم لصدقهم.
-وقلة ملكوا القدرة، وليس لديهم الإرادة، فمنهم من اعتذر كاذبا ومنهم من لم يعتذر، لذا فضحهم الله وأخزاهم، ورد اعتذارهم [1] .
قال الله تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:88 - 89) .
لقد ضرب الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - أروع الصور وأعظم الأمثلة في التضحية والجود بالمال في غزوة تبوك، امتثالا لأمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وطلبا لمرضاتهما، بحب وكرامة لعلمهم ويقينهم أن الصدقة برهان إيمانهم؛ ليتجلى بذلك صدق الصادقين، حيث استجابوا لنداء رسولهم - صلى الله عليه وسلم -. فهذا أبو بكر - رضي الله عنه - جاء بكل ماله، وعمر بنصف ماله، فعن عمر - رضي الله عنه - قال: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، فوافق ذلك في مالًا، فقال النبي: - صلى الله عليه وسلم -(ما أبقيت لأهلك؟) فقلت: مثله، وأتى أبو بكر - رضي الله عنه - بكل ما عنده، فقال - صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقه إلى شيء أبدا) [2] ، وهذا عثمان - رضي الله عنه - جاء بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها [3] وبألف دينار استرخصها - رضي الله عنه - وبذلها عندما لامست أذناه صيحات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه -، قال جاء عثمان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار .. في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره. فقال عبد الرحمن: فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقلبها في حجره ويقول: (ما يضر عثمان ما عمل بعد
(1) هدي السيرة النبوية في التغيير الاجتماعي لهدى اللحام: ص/591 - 602 وتصرف، دار الفكر المعاصر/بيروت، ط/1/ 2001 م.
(2) سنن الترمذي: ك/المناقب، ب/في مناقب أبي بكر وعمر، ص/834،ح/3675. (حسنه الألباني)
(3) جمع حلس، وهو كل شيء ما وَلِيَ ظهر البعير والدابة، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، انظر: لسان اللسان لابن منظور: ج/1، ص/282. والأقتاب: جمع قتب، وهو إكاف الجمل، والإكاف شبه الرحال والأقتاب، انظر لسان اللسان لابن منظور: ج/1، ص/353، وج/2/، ص/36.