البيعة التي ألزموا أنفسهم بها، النصح لكل مسلم، فكيف والتفريق بينهم، فعن جرير بن عبد الله البجلي [1] - رضي الله عنه - قال: (بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم) [2] .
-إن أخطر ما ينافي البيعة ويتناقض معها: طاعة الكافرين والاتصال بهم والكيد معهم ضد المسلمين؛ بل والطلب منه اجتياح الديار، وهذا ما كان من المنافقين زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا الحالي، قال الله تعالى: { ... وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (التوبة:107) ، فأساس البيعة السمع والطاعة، فعبادة بن الصامت يقول: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة. في العسر واليسر. والمنشط والمكره. وعلى أثرة علينا. وعلى أن لا ننازع الأمر أهله. وعلى أن نقول الحق أينما كنا. لا نخاف في الله لومة لائم) [3] ، فطاعة الله تعالى ورسوله، تستوجب معصية الكافرين فيما يخالف طاعة الله، لذا حذرنا جل في علاه من طاعة أهل الكتاب، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} (آل عمران:100) ، فكيف بتنفيذ أوامرهم؟
-إن ترقب العدو والتنسيق معه يتنافي مع عقد البيعة على السمع والطاعة.
قال الله تعالى:: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111) .
يقول سيد قطب: (هذا النص يكشف عن حقيقة العلاقة مع الله، وحقيقة بيعة المؤمنين التي أعطوها لربهم بإسلامهم، فمن بايع ووفَّى فهو المؤمن الحق، تتمثل فيه حقيقة الإيمان .. حيث استخلص الله من هذه النفوس أَنْفَسَهَا) [4] ،
يقول الطبري: (إنَّ الله ابتاع من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة، التي وعدها إيَّاهم أن يوفِّيِ لهم، إذا هم وَفُّوا بما عاهدوا الله فقاتلوا في سبيله، ومن أحسن وفاء بعهده من الله. {فاستبشروا} أيها المؤمنون {ببيعكم} أنفسكم وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم، وفوزكم) [5] .
ويقول الرازي: (إن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فتذهب روحه، وينفق ماله في سبيل الله، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل. فجعل هذا استبدالا وشراء، والبائع لا بد له من مشتري والمشتري هو الله والبائع هو الله ... فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون
(1) هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جُشُم بن عويف البجلي القسري أبو عمرو أسلم سنة وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه، وروى عنه أولاده مات 51 هـ، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/1، ص/368.
(2) سنن النسائي: ك/البيعة، ب/ البيعة على النصح لكل مسلم، ص/641، ح/4156. (صححه الألباني) .
(3) صحيح مسلم: ك/ الإمارة، ب/ وجوب طاعة الأمراء في غير معصية .. ، ج/3، ص/1470.
(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1716 باختصار وتصرف.
(5) جامع البيان للطبري: ج/11، ص/26، باختصار.، دار المعرفة/ بيروت، ط/4/ 1980 م.