يقول النسفي: (إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد، فدل بقوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت، {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ) [1] ، من هنا كانت البشارة لجميع المؤمنين الصادقين، والوعيد بالذلة والهوان والاستبدال في الدنيا، لكل متخاذل متثاقل، والسخط والعذاب المهين في الآخرة.
وحتى يطمئن المؤمنون اطمئنانًا لا حزن [2] فيه ولا رِيبَةً، أن نصر الله قائم لا يؤخره تثاقل المتثاقلين ولا خذلان المتخاذلين، ولن يستطيعوا ضُرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا دينه لأنه الله - عز وجل - وعده بالعصمة والنصرة، ووعده نافذ وكائن لا محالة.
والاطمئنان نابع من معية الله تعالى بعظمته وقدرته وعونه ونصره وتمكينه، يقول البقاعي: (ثم علل نهيه لصاحبه، بالاسم الأعظم، مستحضرا لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تخضع لها صلاب الرقاب، وتندك بعظمتها شوامخ الجبال,,,, ثم يقول: فالذي تولَّى نصره بالحراسة في ذلك الزمان، كان قادرا على أن يأمر الجنود التي أيده بها، أن تهلك الكفار في كل موطن من غير أن يكون لكم في ذلك أمر، .. ويقول: وكما أنه كان موجودا في ذلك الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان) [3] .
يأتي هنا دور المخلصين في شد عزيمة الأمة وثباتها، يأتي دور القائد المسلم الأمين ليكون مصدر اطمئنان وثبات لأمته وجنوده، كما ويأتي دور الأتباع الخلص الصادقين، ودورهم في الاطمئنان لقائدهم والوثوق به، إنها السنن الصالحات، من تتبعها نال ما نال الأولون من المرسلين وأتباعهم، ومن تنكب الطريق، ضل وأضل، وخاب وخسر وحلَّت به سنة الاستبدال.
لذلك بينت هذه الآية مكانة الصديق أبي بكر - رضي الله عنه -، وعظيم قدره وتقدمه وسابقته في الإسلام، وعلو منصبه، وفخامة أمره، ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه؛ لأنه أول من آمن من الرجال، ونصر دين الله، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وأهله وماله، واستبقاه - صلى الله عليه وسلم - للهجرة معه، وكان منه قلقُ الخائفِ الذي أدركه الحزن لشدة وَجْدِهِ وألمه؛ أن يحصل لنبي الله شيء، فاستحق السكينة بمعية الله التي اطمأن لها بصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - [4] .
البند الأول: عوامل النصر:
ترجع انتصارات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزواته، وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم - وفتوحاتهم، ومن جاء بعدهم من التابعين، في معاركهم العديدة، إلى ركيزتين أساسيتين:
(1) مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي: ج/2، ص/159.
(2) الحزن: همُّ غليظ بتوجع يرق له القلب، انظر نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/319.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/320.
(4) المصدر السابق: ص/320 بتصرف