الأولى: تحقيق المعية الإلهية:
تتحقق بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه بصدقٍ وإخلاص، يقول الله تعالى:
{ .. إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا .. } (التوبة:40) ، إن هذه المعية تحققت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه وخليفته من بعده - رضي الله عنه -، فكان التأييد بالنصر بعد نزول السكينة على المجاهدين من الله تعالى، كما قال ابن عباس في: {عَلَيْهِ} أي الصِّدِّيق، لأن السكينة لم تفارق النبي - صلى الله عليه وسلم -) [1] .
هذه المعية توفر التأييد الإلهي للمجاهدين بجند الله ومدده وملائكته، وهذا أمرٌ قد كَتَبَهُ اللهُ على نفسه، فقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد} (غافر:51) ، هذه المعية توفر النصر والتأييد إلى يوم القيامة؛ فعن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) [2] . إنه ليس له ولصاحبه في حينه، ولا في حياته وزمانه، ولا لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل نصرٌ يحمله كلُّ من توفرت فيه شرط المعية: التقوى والإحسان، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (النحل:128) ، لقد حققوا معية الله عندما نصروا دين الله؛ فنصرهم الله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7) ،.
الثانية: الأخذ بأسباب القوة المعنوية والمادية:
1 -ذكر الله تعالى الأسباب والعوامل المعنوية للنصر في سورة التوبة، والمتمثلة: إيمان بالله ورسوله، وحب لهما، تتوفر فيها شروط الإيمان، المتمثلة في طاعة الله، وحسن ذكره، والتوكل عليه، واليقين بنصره، ورغبة في أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ودفاعا عن دين الله، وإرادة إرادة صلبة وقوية، في استرداد الحقوق والدفاع عن المظلومين. قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:71) ،
2 -وفي سورة الأنفال ذكر الأسباب المادية للنصر، والتي تعتبر التوبة متممة أو موضحة لسورة الأنفال، قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (الأنفال:60) ، والاستطاعة تشمل الإعداد
(1) نظم الدرر للبقاعي: ص/321.
(2) صحيح مسلم: ك/ الإمارة، ب/لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، ج/3، ص/1524، ح/1923.