رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (التوبة:61) ، وشرفه بجهاد الكفار والمنافقين عندما أمره بجهادهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} (التوبة:73) ، وخيره ربه بالاستغفار للمنافقين ولم يخير أحدا قبله ولم يخير أحدًا بعده، فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... } (التوبة:80) ، وأعلى قدره بالتوبة، ومعه المؤمنين إكراما له وشرفا لهم، فقال: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم} (التوبة:117) ، يقول ابن تيمية: (الأنبياء عليهم السلام معصومون من كبير الذنوب وصغيرها، فالتوبة ترفع الدرجات وتعظم الحسنات، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهي ليست نقصا؛ بل هي من أفضل الكمالات ... ولا بد منها لكل مؤمن، ولا يَكْمُلُ أحد ويحصل له كمال القرب من الله، ويزول عنه كل ما يَكْرَه إلا بها، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق وأكرمهم على الله وهو المقدم على جميع الخلق في أنواع الطاعات؛ فهو - صلى الله عليه وسلم - أفضل ما يحب الله في العبد من صفات العبودية، وتوبته أكمل من توبة غيره ولهذا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) [1] ، وزاده شرفا وقدرا عندما جمع له اسمين من أسمائه، (لم يجمعهما لأحد غيره - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} ) [2] .
ختم الله به الرسالات، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، يقول محمد الغزالي: (فمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن إماما لقبيلٍ من الناس صلحوا بصلاحه، وبموته ذهبوا، بل كان قوة الخير التي تمثل كل مراحل التطور الإنساني، برسالة تنير العيون، وتجلي البصائر والأذهان من خلال تراث ضخم من الكتاب والسنة) [3] . ويقول: (كان اصطفاء الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - مفاجأة لم تلبث روعتها أن تكشفت عنه، ثم ثبت الكاهل الجلد لما أُلْقِيَ عليه، ومضى على النهج مسددًا مؤيداَ) [4] .
إنه المؤهل حقا لحمل رسالة الله الخالدة إلى يوم الدين. لذلك أعلى الله شأنه - صلى الله عليه وسلم -، وعظَّم أمره، وجعله إماما للمرسلين وسيدا للعالمين، وختم به النبيين.
صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخصاله في هذه الآية خمس خصال هي:
الخصلة الأولى: {منْ أَنفُسِكُمْ} ذكر ابن الجوزي: (قراءتين لـ {أَنفُسِكُمْ} : الأولى للجمهور بضم الفاء، والثانية لابن عباس وغيره بفتحها، وفي المضمومة، أنه - صلى الله عليه وسلم - من جميع العرب، وممن تعرفون، من نكاح، فليس فيه شيءٌ من ولادة الجاهلية، بشر مثلكم، فهو آكد للحجة، لأنكم تفقهون عمن هو مثلكم، وفي المفتوحة ثلاثة أقوال: أحدها: من أفضلكم خلقا، والثاني: أشرفكم
(1) التفسير الكبير لابن تيمية: ج/4، 384 - 389 باختصار وتصرف، دار الكتب العلمية/ بيروت، ط/1/ 1988 م.
(2) تفسير الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/344 - 345.
(3) فقه السيرة، لمحمد الغزالي: ص/21 باختصار، دار الكتب الحديثة/ القاهرة، ط/7/ 1976 م.
(4) المصدر السابق: ص/28.