نسبا، والثالث: أكثركم طاعة لله) [1] . فهو - صلى الله عليه وسلم - الذي يعرفون اسمه وقبيلته وحسبه ونسبه، وطهارة أصله ونقاء عرقه، كما يعرفون حسن خلقه وأدبه الذي يضرب به المثل، حتى بات معروفا بينهم بالصادق الأمين.
الخصلة الثانية: {عَزِيزٌ [2] عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [3] } ، يقول ابن عطية: ( {عَزِيزٌ} صفة الرسول) [4] ، ويقول الشيخ كشك: (لأنه منكم، يسوؤه أن تكونوا أمة ذليلة يغتتها [5] أعداؤها بالسيطرة عليها، والتحكم فيها، ولا أن تكونوا في الآخرة من أصحاب النار) [6] يَعُزُّ عليه ويشتد به الضيق، وتَشُقُّ عليه ما قد يقع منكم من الغلط، فتهلكون أنفسكم بآثامكم وذنوبكم.
الخصلة الثالثة: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} ، أي حريص على نفعكم [7] ، يريد إيمانكم وهدايتكم [8] ، وصلاح حالكم [9] ، ووصول النفع الدنيوي والأخروي [10] . وهذه الصفة لا تكون إلا كمثل كالوالد والولد، أو الأم الرؤوم المشفقة على ولدها من أي ضرر يصيبه.
الخصلة الرابعة والخامسة: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} ، أي بجميع المؤمنين كافة العريقين في هذا الوصف خاصة [11] ، شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين، فكل ما يدعو إليه من العمل بشرائع الله فهو دليل على ثبوت هذه الصفات له، وكل شاق فيها كالجهاد فهو منجاة مما هو أشق منه [12] .
فهذان اسمان من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - مشتقان من أسماء الله، وقد اشتق له من اسمه نحو السبعين اسما، وهذه خصوصية له - صلى الله عليه وسلم -، كالكريم، والخير، والحق المبين، والشاهد، والشهيد، والفاتح والشكور، وغير ذلك [13] .
ما تقدم هو استحضار عظيم لإحسان الله وبيان فضله - صلى الله عليه وسلم - علينا، إذ هو الذي بلغنا دين الله تعالى أحسن بلاغ وأتمه فأكمله، فقد بلغ - صلى الله عليه وسلم - الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة. فلا بد من عزو كل خير دنيوي وأخروي نوفق إليه ونتنعم به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فضل الله تعالى ومنته، فكان - صلى الله عليه وسلم - سبيلنا ومرشدنا إليه، ما ترك خيرا إلا علمنا إياه ودلنا عليه، وما ترك شرا إلا حذرنا منه ونهانا عنه، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته خيرا.
(1) زاد المسير لابن الجوزي: ص/613 بتصرف.
(2) عزيز عليه: عظُمَ عليه، ويعَزُّ عليه: إذا اشتد، انظر لسان اللسان لابن منظور: ج/2، ص/169.
(3) عنتم: العنت: المشقة والشدة والغلط والإثم والهلكة، انظر لسان اللسان لابن منظور: ج/2، ص/228.
(4) المحرر الوجيز في الكتاب العزيز لابن عطية: ج/3، ص/100
(5) الغتت: الجهد والتعب، انظر: لسان اللسان لابن منظور: ج/2،ص/253.
(6) في رحاب التفسير للشيخ كشك: ج/2، ص/1625 باختصار.
(7) كتاب العين للفراهيدي: ج/1، ص/305.
(8) المحرر الوجيز في الكتاب العزيز لابن عطية: ج/3، ص/100
(9) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود: ج/2، ص/460.
(10) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج/2، ص/443.
(11) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/407 بتصرف.
(12) في رحاب التفسير للشيخ كشك: ج/2، ص/1626.
(13) معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي: ج/2، ص/191.