المنافقون هم الأخطر على الأمة، فكان المقطع الرابع أطول مقاطع السورة، وأكثره تناولا لصفات المنافقين وبيان أحوالهم ليضفي على هذا المقطع جوا من الرعب والخوف على كل من تسول له نفسه أن يربط مصيره بمصير الكافرين، يقول سيد قطب [1] : (وأما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يبطرون ويفجرون في الأرض) [2] .
جو السورة مفعم بالشد والقسوة على أعداء الله، فقد نقل ابن كثير [3] في تفسيره (عن على - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أسياف: سيف للمشركين"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين كافة"وسيف لكفار أهل الكتاب"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب"وسيف للمنافقين"جاهد الكفار والمنافقين"وسيف للبغاة"فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"وهذا يقتضي أنهم يُجَاهَدُونَ بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير) [4] . مما يبين التشابه الكبير بين المنافقين والكافرين في المعتقد والعمل.
المقطع الأخير يبين حقيقة الصفقة وأهمية البيعة مع الله، قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ .. } (التوبة:111) ، يقول سيد قطب: (يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين باللّه, وعن حقيقة البيع، فمن بايع ووفَّى بما بايع فهو المؤمن الحق الذي تتمثل فيه حقيقة الإيمان) [5] , وخاصة عندما رسَّخ لعقيدة الولاء والبراء، بالنهي عن الاستغفار للمشركين، وأن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه , كان بعلم الله تعالى، فلما تبين لإبراهيم كفر أبيه تبرأ منه. ليكون جو السورة العام بين البراءة والتحذير والوعيد والإمهال والقتل والقتال والجهاد، يتخلل ذلك جو من الرحمة والتودد والسكينة والأمان والطمأنينة الناتجة عن توبة الله تعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا لإتمام فضله وبيان سرُّ رحمته، وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا , بل إن توبته جل في علاه سبقت توبتهم، قال الله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:118) . ليكون جو السورة بين البراءة والتوبة والجهاد في سبيل الله تعالى.
المتتبع للسور القرآنية يجد أنها قد افتتحت بعد البسملة، إما بحمد لله تعالى أو تسبيحه، أو بالحروف المقطعة يتبعها تعظيم الله تعالى أو بيان عظمة آياته، أو بيان وجه من وجوه الإعجاز، أو بنداء الملاطفة، أو قَسم أو خبر للتذكير أو التنبيه أو الإخبار عن شيء أو غير
(1) هو سيد قطب إبراهيم الشاذلي ولد سنة 1906 م حفظ القرآن صغيرا، نشط في مجال الأدب والسياسة، انتسب إلى الإخوان المسلمين 1953، أكمل الظلال وهو في السجن أعدم سنة 1966 م، انظر كتاب سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، صلاح الخالدي، ص 15 - 17.
(2) في ظلال القرآن ج/ 3، ص/ 1674.
(3) هو إسماعيل بن عمر بن كثير الحافظ أبو الفداء فقيه متفنن ومحدث ومتقن ومفسر ولد ببصرى الشام 701 هـ له من أشهر مصنفاته البداية والنهاية وكتاب التفسير وغيرهما كثير توفي 774 هـ، انظر طبقات المفسرين للداوودي، ج/1، ص/111 - 113.
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج/2، ص/ 408، دار الخير/بيروت/ ط/2/ 1991 م.
(5) في ظلال القرآن لسيد قطب: منقول: ج/ 3، ص/ 1716.