لقد كان استعداد المسلمون في وضح النهار، لغزو الروم وسط أراجيف المنافقين، لوضع حد لبقايا الوثنية في نفوس البعض ولقوله - صلى الله عليه وسلم - (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [1] ، لذا كان افتتاح السورة بإعلان يبث روح القوة في نفوس المؤمنين، ويقذف الرعب والوهن والخوف في قلوب المشركين والمنافقين، وليتم تحديد العلاقة معهم، مع إعطائهم فرصة الأمان، قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (التوبة:6) .
فكان المقطع الأول في إعلان البراءةٍ وردِّ عهودِ الغادرين وقتالهم، مع أخذ الحيطة والحذر منهم، وبيان حقيقة نجس المشركين، أما المقطع الثاني فإنه يتضمن (تحديد العلاقة مع أهل الكتاب، وبيان سبب ذلك خطورة اعتقادهم التاريخي والواقعي، ومدى انحرافهم عن دينهم، ومحاولين بشتى الوسائل طمس دين الله الذي ارتضاه للناس) [2] ، وبيان خطورة التشبه بأهل الكتاب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة:34) ، يقول أبو السعود [3] : (بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أربابا يطيعونهم في الأوامر والنواهي وأتباعهم لهم فيما يأتون وما يذرون) [4] ، ثم يقول معقبًا: (فيكون نظمهم في قرن المرتشين من أهل الكتاب تغليظا ودلالة على كونهم أسوة لهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم) [5] . فكان التحذير شديدًا لخطورة العبث بنواميس الكون فالتحريف هو: (مزاولة للتشريع بغير ما أنزل الله، فهو يضاف إلى الكفر الاعتقادي) [6] .
أما المقطع الثالث الذي يتمحور حول الجهاد وفضله، وبيان خطورة المتثاقلين وقعودهم الذي لا يضر إلا بهم، لأن نصر الله لرسوله ولدينه ليس مرتبطا بنصرة الناس له، وإنما هو ابتلاء من الله وتمحيص، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد) [7] ،
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق [8] [9] .
(1) صحيح البخاري: ك/ المغازي، ب/مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، ج/2، ص/ 878، ح/4431.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/ 1566 بتصرف.
(3) هو محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي المولود 893 هـ جمع بين العلم والأدب وطارت بسمعته الفضاء وتولى أمر الفتوى والقضاء، توفي بالقسطنطينية سنة 982 هـ انظر التفسير والمفسرون ج/1، ص/245 - 246.
(4) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لمحمد بن محمد العمادي الشهير بأبي السعود: ج/4،ص/ 62، دار الفكر/ بيروت، بدون طبعة.
(5) المصدر السابق، ج/4، ص/62 بتصرف.
(6) ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3 ص/ 16512، دار الشروق/بيروت، ط/9/ 1980 م.
(7) صحيح مسلم: ك/ صفات المنافقين، ب/ مثل المؤمن كالزرع. ج/4، ص/ 2163/، ح/2809.
(8) النفاق من نفق نفقت الدابة أي ماتت، والنفاق الخلاف والكفر (للمؤمنين أمور غير محزنة***وللمنافق سرُّ دونه نفق) أي سر يخرج منه إلى غير الإسلام، انظر: كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، ج/4 ص/ 252، دار الكتب العلمية، ط/1/ 2003 م.
(9) صحيح مسلم: ك/ الإمارة، ب/ ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، ج/3، ص/1517، ح/1910. وسنن أبي داود ك/ الجهاد، ب/ كراهية ترك الغزو، ص/400، ح/2502. (صححه الألباني)