فإذا أدرك المسلم حقيقة التوكل، لا بد أن يعلم على من يتوكل، يقول البقاعي: {وَهُوَ رَبُّ} أي مالك ومخترع ومدبر؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار ... {الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} أي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام ... وأن ربه أعظم منه لأن عظمته على الإطلاق، فلا شيء إلا وهو في قبضته وداخل في دائرة مملكته، وإذا كان كافي، فأنا برئ ممن تولَّى عني، وبَعُدَ مني كائنا من كان، فقد عانق آخر السورة أولها، وصافح منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في {فَسِيحُوا} ، وفي {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ} ) [1] .
لذلك كان الوفاء بالعهود والعقود فقه خاص في المنهج الإسلامي (لا يدركه إلا الذين يتحركون بهذا الدين حركة جهادية لتقرير وجوده في واقع الحياة؛ برد الناس إلى ربوبية الله وحده ... فالمساحة شاسعة بين فقه الحركة الذي يتقن لغة المواجهة مع الجاهلية وأردافها، وبين فقه الأوراق وحسابات الواقع الانهزامي) [2] .
فكانت البيعة الضرورة الملحة في عنق كل مسلم لا تنفك عنه، ولا ينفك عنها، ولا ينبغي لمسلم أن لا يكون في رقبته بيعة، أو ينزع يدا من طاعة، فلا بد من الالتزام بجماعة المسلمين، وسوادها الأعظم، من العلماء والمجاهدين القابضين على دينهم، والمحاربين فيه، على قلتهم وكثرة أعدائهم وشدة عداوة اليهود لهم، ومن أشركوا من النصارى والمنافقين.
لكل آية من آيات الله تعالى الكثير من الهدايات التربوية، التي تعنى وتهتم بدوام سلامة العقيدة والدين والأخلاق وغيرها، من ذلك:
-أن يستشعر المسلم أهمية البيعة، وأهمية الالتزام بها، لأنها سببٌ لمرضاة لله تعالى.
-على المسلم أن يرتقى بنفسه؛ حتى يكون مؤهلا للصفقة مع الله تعالى.
-أن يدرك المؤمن أن للبيعة فوائد جمة، منها الدوام على الطاعة، وحسن الخلق، وحياة كريمة عزيزة، في الدنيا، والفوز العظيم بجنات النعيم.
(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/409 - 410.
(2) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1743 بتصرف.