الكثير منهم، ويستولي المؤمنون على غنائم جمَّة) [1] ، بعد أن أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وعذَّبَ بجنوده الذين كفروا.
يصف الله تعالى أحوال المسلمين في هذه الغزوة حينما اغتروا بأنفسهم، وأعجبتهم كثرتهم، كيف ضاقت بهم الأرض على كثرة اتساعها [2] ، يقول الرازي: (أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم) [3] ، وازدحمت بهم المسالك على كثرتها؟ وكيف اختلطت جموعهم؟ وقد أعمل العدو فيهم طعنا وتشريدا وقتلا؟ كما ويصف حال الثلة القليلة التي منَّ الله عليها بالثبات، وأنه أنزل السكينة عليهم، فثبتت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقت نزول السكينة عليهم، ومنَّ الله بعد ذلك على منْ يشاء بالتوبة، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:25 - 27) . (يقول البراء بن عازب: والذي لا إله إلا هو، ما ولَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دبره قط، قال: ورأيته آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول:(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) وطفق يركض نحو الكفار لا يبالي [4] .
لقد بدأ بعض المسلمون تصرفهم هذا بحادثة تدلل على عدم رسوخ الإيمان في قلوبهم، بتعلقهم بأوهام الجاهلية وأدرانها بداية، حيث ما زال في بعضهم حب تقليد المشركين وإتباعهم، في أول مظاهر الولاء لغير الله، عندما مروا بشجرة كان المشركون يتبركون بها، فعن أبي واقد الليثي [5] - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا خرج إلى حنين مرَّ بشجرة للمشركين، يقال لها ذات أنواط [6] ، يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} (الأعراف:138) والذي نفسي بيده لتركبنَّ سُنَّةَ من كان قبلكم) [7] .
لذا كان الأثر الجاهلي بَيِّنٌ على بعضهم من خلال هذه الحادثة، لهذا نهى الله عن الاغترار بتقلب الكافرين والإعجاب بهم، قال تعالى: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ*
(1) انظر الرحيق المختوم، للمباركفوري: ص/356 - 363، وغزوات خلد القرآن ذكرها، محمد أبو النيل: ص/269، والقدوة في السيرة النبوية، د. أحمد الأسمر: ص/423 - 429، والرسول القائد، محمود شيت خطاب: 361 - 367 باختصار وتصرف.
(2) معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي: ج/2، ص/189.
(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/21.
(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/21.
(5) أبو واقد هو: الحارث بن مالك وقيل بن عوف الليثي، شهد بدرا وتوفي 85 هـ، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/6،ص/485.
(6) اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلقونه بها ويعكفون حولها ... وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمِّي به المنوط. انظر تحفة الأحوذي: ج/6، ص/408، وفي مسند أحمد: (وكان للكفار سدرة يعكفون عليها) ج/5، ص/218.
(7) سنن الترمذي: ك/الفتن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ب/ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، ص/493، ح/2180. (صححه الألباني)