فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 330

ولما كانت القيادة لمالك بن عوف أشجع شجعانهم، أمرهم أن يخرجوا بنسائهم، وأولادهم، وأموالهم، وقد عارض ذلك دريد بن الصمة، الذي أُخْرِجَ معهم تيمنًا برأيه ومعرفته بالحرب، فأبى مالك، قائلا: إنك كبرت وكبر عقلك [1] .

قوة المشركين:

اجتمع لمالك بن عوف النضري عدد كبير من ثقيف ونصر وجشم وسعد بن بكر، وبعض بني هلال، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - مَنْ يستطلع أخبارهم، فتعذر ذلك لكثرة عددهم واختلاف عشائرهم، وأنهم يحشدون قواتهم في وادي حنين، وأنهم ينوون مهاجمة المسلمين [2] ، فقال - صلى الله عليه وسلم - (تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله) [3] .

قوة المسلمين:

اختلف في عدد عسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقيل كانوا ستة عشر ألفا، وقيل اثني عشر ألفا، لم تعرف الجزيرة مثيلا له، منهم ألفان من مسلمة الفتح، ومعهم أبو بكر - رضي الله عنه - الذي قال:"لن نغلب اليوم من قلة". وقيل غيره [4] .

سير المعركة:

تحصن مقاتلة مالك بن عوف هضاب الجبال المشرفة على وادي حنين، وما إن وصل المسلمون واستقروا فيه فجرًا إلى الوادي المنحدر، كأنهم يسيرون إلى هاوية، حتى انهال المشركون عليهم رميا بالنبال، دون أن يعرف المسلمون مصدرها، ولكون مواضع المشركين مخفي، انسحبت مقدمة الجيش فجرفت أمامها بقية القوات، وانقلب الانسحاب إلى فرار وهزيمة، على الفور ترك المشركون مواضعهم لمطاردة المسلمين، فإن أدركوا أَحَدَهُم طعنوه، حتى انتشر الفزع بين المسلمين، وضاقت بهم السبل، وارتبكت أرتالهم. وفي خضم هذا التولي ثبت - صلى الله عليه وسلم - ومعه قريبا من مائة رجل من أهل بيته، وبعض أصحابه [5] ، وأخذ ينادي - صلى الله عليه وسلم - (أين أيها الناس؟ أين؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله) ، ولكون الارتباك ساد الموقف، فلم يرد أو يسمعه أحد، فقام العباس ينادي ويكرر بصوته الجهوري: (يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة يوم الحديبية!) ، فسمعه المهاجرون والأنصار، فعادوا يتقاطرون ويتمترسون حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصطحبون معهم إلا سيفهم وترسهم قائلين:"لبيك"فاستقبل - صلى الله عليه وسلم - بهم المشركين يكبدونهم الخسائر الفادحة؛ لتبدأ رحلة الانتصار والمطاردة الواسعة بصمود القلة المؤمنة بفضل الله تعالى؛ ليستسلم

(1) غزوات خلَّد َالقرآن الكريم ذكراها، د. محمد عبد السلام أبو النيل: ص/257 باختصار.

(2) القدوة في السيرة النبوية د. أحمد رجب الأسمر: ص/424 - 425 بتصرف، دار الفرقان/عمان، ط/1/ 2004 م.

(3) سنن أبي داوود: ك/الجهاد، ب/ في فضل الحراس في سبيل الله عز وجل، ص/399، ح/2501. (صححه الألباني)

(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/21.

(5) فعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لَمُوَلِّيَتَيْنِ وما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل) رواه الترمذي: ص/394، ح/1689، وقال: حديث (حسن صحيح) . وأحمد 4/ 454، والحاكم في المستدرك: 2/ 117، وفي فتح الباري: 8/ 29 - 30، وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت