يقول برهان الدين البقاعي: (فلا ينبغي لأحد أن يحب إلا فيه، ولا يبغض إلا فيه، ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه ... لأن الإنسان قد ينصره غير قريبه، فلا يوالي إلا من كان من حزبه أهل حبه وقربه، وفي تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي لا سيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ذلك موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئا) [1] .
البيعة هي الميثاق والعهد الذي يقطعه المرء على نفسه بالسمع والطاعة لولي الأمر، وبالتالي هي ميثاق بشري مُؤَسَّسٌ على رؤية عقدية تتضمن ثلاثة أطراف هي المبايَع"الخليفة"والمُبَايِع"الأمة"والمبايع عليه وهو الشريعة التي تصب جل اهتمامها في الحفاظ على الكليات الخمس لاستمرار الحياة على الأرض، وبحيث يلتزم الفريق الأول الإمام، والثاني جمهور الأمة جماعة المسلمين، بل والحفاظ عليها والدفاع عنها، ولا تنتهي مسئولية أحدهما بمجرد عقد البيعة؛ بل تستمر في تحمل تبعة حفظ الدين وتطبيق الشريعة من خلال (الفهم الدقيق للبيعة التي تشمل مجموع الإسلام، والإخلاص لله بالقول والعمل، والجهاد من أجل ذلك بالنفس والمال، ممتثلين بذلك أوامر الله تعالى ومجتنبين نواهيه، والثبات على الأمر، والتجرد للأخوة الإسلامية المرتبطة برباط العقيدة، التي تزينها الثقة المتبادلة) [2] ، إضافة إلى رقابة الحاكم، ونصحه إذا حاد، وعزله إذا لزم الأمر واقتضت المصلحة العليا للبلاد والعباد.
بذلك نعلم أن العهد أمر ملزم للطرفين، لا يحق لأحدهما نقضه والانصراف منه، ومن الضروري أن يلزم المسلم نفسه ببيعة أو عهد، وأنه لا يستطيع الانفكاك عنها. فلا بد من أن نعرف أن البيعة ملزمة لمن أراد الدخول في الإسلام، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر وإن يأمر بغيره كان عليه منه) [3] .
من هذا يتضح ضرورة وجود الإمام بداية ليسوس الأمة ويقودها نحو العزة والنصر والتمكين، يحفظ أماناتهم وعهودهم، وودهم، فيرعى كبيرهم ويرحم صغيرهم، ويوفِّر لهم أمانهم وعيشهم، ستر عيوبهم وينشر خيرهم، لأنه الإمام (الستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين, ويمنع الناس بعضهم من بعض, ويحمي بيضة الإسلام, ويتقيه الناس ويخافون سطوته, ومعنى يقاتل من ورائه أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا) [4] .
(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/395 باختصار وتصرف.
(2) ماذا يعني انتمائي للإسلام لفتحي يكن: ص/168 - 173 باختصار وتصرف، مؤسس الرسالة/بيروت، ط/24/ 2000 م.
(3) صحيح مسلم: ك/ الإمارة، ب/ الإمام جنة يقاتل به من ورائه ويتقي به، ج/3، ص/1471، ح/1841.
(4) شرح صحيح مسلم للنووي: ج/6، ص/182.