فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 330

وضرب مثلا وقدوة في سلامة عقيدة إبراهيم عليه السلام عندما تبرأ من والده، بعد أن وعده بالاستغفار قبل أن يعلم أنه من أصحاب الجحيم، فلا يتخذ أحدٌ من إبراهيم مثلا في الاستغفار لأبيه؛ وإنما تتخذوه مثلا وتتبعونه من خلال تبرؤه.

يقول سيد قطب: (إن المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم، جمعتهم صفات بايعوا الله عليها، ليتم حسم العلاقات مع غيرهم التي لا تقوم على هذه الوشائج الإيمانية خاصة عقب فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا دون تربية مسبقة، ولم يتم انطباعها بطباع المتقين، حيث لا زالت علاقات القربى مع ذويهم قائمة، فجاءت الآيات لتبين رفض أية بيعة أو عهد أو علاقة تتناقض مع من أراد أن يبيع نفسه لله تعالى، حتى ولو كانوا أولي قربى الأموات ... فلا أسوة بإبراهيم في استغفاره لأبيه .. لأن إبراهيم الذي صبر وحَلُمَ على إيذاء والده تبرأ من أبيه عندما مات على الشرك عدوا لله) [1] .

ويقول أبو السعود: (فليس لغيره أن يتأسى به في ذلك، وتأكيد لوجوب الاجتناب عنه بعد التبين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه وهو في كمال رقة القلب والحلم، فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتنابا وتبرؤا) [2] .

فتمام الولاء لله تعالى، وتمام البراءة من المشركين من أهم مستلزمات البيعة، لتصفو العلاقة مع الله ويصدق العبد بعهده مع ربه، فلقد استشعر المسلمون الصادقون خطورة الاستغفار السابق لأقاربهم الأموات، حيث ظنُّوا أن استغفارهم لذويهم قبل النهي محبطا لأعمالهم، وضلالا لهم بعد هدايتهم، يقول البقاعي: (ولما كان الاستغفار للمشركين أمرا عظيما، وكان فيه نوع ولاية لهم، أظهر سبحانه للمؤمنين ما منَّ عليهم به من عدم المؤاخذة بالإقدام عليه تهويلا لذلك وقطعا لما بين أوج الإيمان وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ [3] لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التوبة:115) ، ويقول الطبري: (وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوه) [4] .

ولكي تتحقق صفات المبايعة لا بد لها من سلامة ارتباط العبد بربه وتوكله عليه سبحانه؛ لأنه لا ولي ولا ناصر بحق إلا هو جل في علاه، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} (التوبة:116) ، فالذي لا يخفى عليه من أسرار ملكوته شيء، فيما يخص الحياة والموت والنفع والضر، بالتالي لا بديل عن صدق البيعة معه سبحانه من خلال الحب والبغض في الله.

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1720 - 1721 باختصار وتصرف.

(2) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود: ج 2، ص/453.

(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/394 - 395.

(4) جامع البيان للطبري: ج/11، ص/34

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت