من محارات العقول وما يدعو للذهول، أن تتجرأ دولة لم تتجاوز عقدا من الزمن، ولا تملك من أدوات القتال والعدة والعدد لمواجهة أكبر قوة في الأرض لتردعها عن فكرة غزو ديارها، ناهيك عن خروج هذه القوة من معارك متتالية [1] .
الموقف العام: كانت غزوة تبوك آخر غزواته - صلى الله عليه وسلم - حيث كانت في رجب من السنة التاسعة للهجرة النبوية الشريفة، وكان المسلمون قد بسطوا نفوذهم الكامل على شبه الجزيرة العربية، بعد أن استقر الوضع السياسي العام لهم فيها، بالرغم من تواجد المنافقين بينهم، ومحاولاتهم المستمرة والحثيثة في تثبيط همم المسلمين والإرجاف بينهم بروح الوهن والانهزام، إلا أنهم ليسوا من الأهمية بمكان حتى يحسب حسابهم، نظرا بالتزامِهِمُ الإسلامَ ظاهرًا، فتركهم النبي - صلى الله عليه وسلم - طمعا في هدايتهم.
كما أن المشركين لم يبق لهم أيُّ أثر عسكري أو سياسي بعد إسلام قريش، وانهزام هوازن، ودخول العرب في دين الله أفواجا، وأما اليهود؛ فقد تمَّ جلاؤهم عن المدينة وزال خطرهم، وبالتالي لم يبق أمام المسلمين سوى قوة الروم التي اضطربت أركانها، بسبب ظلم حكامها، وإرهاق الناس بالضرائب، وإقبال كثير من النصارى الخاضعين لحكمهم على اعتناق الإسلام، وبما أن نشر الإسلام خارج الجزيرة أمر لا بد منه، مما أقض مضاجع الروم، وجعلهم يفكرون في القضاء على هذا الدين قبل أن يستفحل أمره، ويستشري خطره، فَجَمَّعُوا جُمُوعَهم، وحشدوا أتباعهم من الأنباط والمنافقين، وبدؤوا بجمع المعلومات عن المسلمين استعدادا لغزو المسلمين [2] .
أسبابها:
-استفحال خطر المسلمين على الروم.
-تجميع الروم لحشود ضخمة بأرض البلقاء من الأردن، ومن معهم من العرب.
-ردُّ عدوان الروم دفاعا عن الإسلام داخل الجزيرة العربية، وكبح جماحهم خارجها [3] .
أهدافها:
-كسر حاجز الخوف لدى المسلمين من قوة الروم الكبيرة.
-إشعار الروم والقبائل العربية المجاورة التي تواليهم بقدرة المسلمين على محاربتهم في أماكن سيطرتهم ونفوذهم، وخاصة بعد إخفاق المسلمين في غزوة مؤتة [4] .
-حماية لحرية نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، بعد أن انتشرت في ربوعها.
(1) السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة لمحمد وجدي: ص/294،بتصرف، الدار المصرية اللبنانية/القاهرة/ ط/1/ 1993 م.
(2) الرسول القائد، للواء الركن محمود شيت خطاب: ص/395 - 396 باختصار.
(3) الرسول القائد للواء الركن محمود شيت خطاب: ص/397 بتصرف.
(4) الوسيط في السيرة النبوية د. هاشم يحيي الملاح: ص/484 - 485 باختصار، دار النفائس/عمان، ط/1/ 2003 م.