الْمُشْرِكُونَ (التوبة:33) ، يقول سيد قطب: (وهو الوعد الحق من الله، الدال على سنته التي لا تتبدل، في إتمام نوره وإظهار دينه ولو كره الكافرون) [1] .
خامسا: إضافة إلى صدهم عن سبيل الله تعالى، فإنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، والغريب العجيب أن الذي يأكل الأموال بالباطل هم سادتهم وكبراؤهم أحبارهم ورهبانهم، ليبين مدى التشابه العجيب بين أئمة الكفر في ضلالهم وفسقهم، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة:34) ، يقول البقاعي: (أقبل الله سبحانه على أهل وده، متلطفا إياهم بمناداتهم باسم الإيمان الذي أسسه على الإنفاق، لا على التحصيل بحق، فكيف بمن يفترض أن يكونوا قيِّمِين على ذلك، إشارة إلى تحقير الأحبار والرهبان بأنهم يفعلون ما ينافي ما أقاموا أنفسهم فيه، بأخذ الرشى وأنواع التصيد) [2] ، كذلك تحقير كل من يتشبه بهم من المنافقين.
إن إعلان البراءة من المشركين يتطلب قوة سيادية على الذات بتمام العبودية لله تعالى، وامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، إضافة إلى القوة المادية والمعنوية التي تمكن لفرض شرط البراءة من المشركين وإعلان الحرب عليهم وإيقافها، والانتصار وأخذ الجزية من المهزومين وهم صاغرون، مما يتطلب سلامة الجبهة الداخلية، من أي خور قد يصيبها أو يعتريها، لذلك نجد أن سياق الآيات توصلنا إلى الحقائق التالية:
-بيان أن العلاقة مع أهل الكتاب قائمة على أن الإسلام دين الله للعالمين، وأن الإسلام فتح القلوب بالرحمة والألفة ولم يفتحها بالقسوة والوحشة [3] .
-لا بد من معرفة الحكم الشرعي لإقامة العلاقات مع المشركين وتحديدها.
-التحذير من موالاة المشركين، وخصوصا ذوي القربى منهم، أو إيثارهم على الله ورسوله والجهاد في سبيله، أو تقريبهم لما يترتب على مولاتهم من أخطار لا تحمد عقباها.
-التحذير من غرور النفس، والاغترار بها أو بشيء من أسباب القوة الدنيوية.
-الطمأنينة والرضا من أسباب الوصول إلى رحمة الله تعالى ورضوانه.
-النصر والعزة والتمكين نتيجة الرضا بحسن امتثال أوامر الله تعالى.
-لا بد مِنْ جِهَادِ مَنْ تَوَفَّرَتْ فيهِ أسباب عداوة المسلمين وإظهارها.
-التحذير من التشبه بأفعال وسلوك اليهود والنصارى، وتتبع خطواتهم.
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1643
(2) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/305 باختصار.
(3) دراسات في الفكر العربي الإسلامي لإبراهيم الكيلاني وآخرون: ص/357 - 358.