رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين [1] ، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليَّ واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله قال أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم؛ قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت) [2] .
إن محاولاتهم لم ولن تتوقف، بل جهدهم دؤوب، وسعيهم حثيث لإطفاء نور الله تعالى، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ*هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة:32 - 33) ، وقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} (النساء:89) .
يقول سعيد حوَّى: (هذا تمثيل حالهم في طلبهم إبطال الإسلام، وتكفير الناس بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخة فما أشد جنونه) [3] .
ويقول سيد قطب: (إن أهل الكتاب لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الله، وعبادة الأرباب، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر، إنما يعلنون الحرب عليه؛ ويريدون إطفائه، بكل الأكاذيب والدسائس والفتن والوقوف سدا في وجهه، وهو الواقع على مدار التاريخ ... وهذا التقرير وإن كان يراد به استجاشة قلوب المؤمنين، إلا أنه يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور الله) [4] .
واليوم إضافة للأكاذيب والفتن والدسائس، والحقد الدفين، يشنون حرب إبادة شاملة على المسلمين في ديارهم، بيدهم وبيد من جَنَّدُوهُم من المنافقين لاستئصال شأفة المؤمنين بكل
الوسائل والطرق، التي لاقت وستلاقي بفضل تعالى أمر الله الفشل الذريع، حيث يأبى إلا أن يتمَّ نوره، وبالتالي هي البشارة الدائمة؛ إنه الفشل الدائم لأهل الكتاب والمنافقين في محاولاتهم لإطفاء نور الله، فإنَّ أحدا لا يتصور مهما بلغت قوة نفخه أن يطفئ جذوة نار مشتعلة، فكيف بما هو أعظم؟ بل تجاوز الأمر حد البشارة وفشل المحاولات؛ إلى أن يظهر أمر الإسلام على جميع الأديان، ليتبين المقصد والعظيم من قتال أهل الكتاب وجهادهم، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
(1) ظلام آخر الليل، والتغليس ورد الماء أول ما ينفجر الصبح، انظر: لسان اللسان لابن منظور: ج/2، ص/275.
(2) السيرة النبوية لابن هشام: ج/1، ص/518 - 519.
(3) الأساس في التفسير لسعيد حوَّى: ج/4، ص/2242.
(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1643 باختصار وتصرف.