فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 330

ثانيا: يفضح الله عقائد أهل الكتاب الفاسدة، حيث تتوالى أوجه الشبه بينهما وأخطرها إدعاء كل منهما الولد لله ـ معاذ الله ـ وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، كما أنهم قلدوا من قبلهم من الوثنيين والمشركين في دعواهم الكاذبة، قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ [1] قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة:30) ، يقول سيد قطب: (إن المقصود بها أن قولهم ببنوة أحد لله، تماثل قول المشركين العرب ببنوة الملائكة لله) [2] ، ويقول الرازي: قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله، وأن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين بنات الله، فتشابهوا حتى في انصرافهم عن الحق بعد وضوح الدليل [3] ، وفي ذلك قمة إفكهم وافترائهم.

ثالثا: كذلك تشابهوا في اتخاذ الأحبار: (علماء اليهود) ، والرهبان: (علماء النصارى) ، أربابا من دون الله، أطاعوهم في معصية الله فضلوا وأضلوا، فعن عدي ابن حاتم، قال أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب فقال: (يا عدي اطرح هذا الوثن) ، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} (التوبة:31) ، قال: أمَّا إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرَّموا شيئا حرَّموه) [4] ، قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة:31) ، وهذه الطاعة التي تخرج المرء من دينه وهو يعلم أو لا يعلم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} (آل عمران:100) ، لذلك حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من تتبع وطاعة أهل الكتاب في أي شيء، يقول الشوكاني: وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم وحرَّموا ما حرَّموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة [5] .

رابعا: من أوجه الشبه بين اليهود والنصارى سعيهم في محاربة الإسلام والمسلمين، ومحاولاتهم هذه لم تقتصر على زمن وبلد دون آخر، بل تجاوزت مؤامراتهم وحروبهم ضد المسلمين حدود الزمان والمكان من أول يوم ظهر الإسلام فيه، تشهد على ذلك صفية بنت حيي بن أخطب، وتخبر ببداية المكر اليهودي على الإسلام والمسلمين وعداوتهم، فتقول: (كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم

(1) المشاكلة: المختار الصحاح للرازي: ص/161.يماثلون ويحاكون: تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: ج/10، ص/ 340.المتابعة: مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15،ص/36:

(2) في ظلال القرآن سيد قطب: ج/3،ص/ 1640.

(3) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/36 بتصرف

(4) الترمذي: ك/ القراءات عن رسول الله، ب/ومن سورة التوبة. ص/684، ح/3095. (حسنه الألباني)

(5) فتح القدير للشوكاني: ج/1، ص/723.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت