على كل المسلمين دفاعا عن الدين والأرض والعرض، وقد كان المسلمون ينشدون في غزوة الخندق: (نحن الذين بايعوا محمدا***على الجهاد ما بقينا أبدا) [1]
فأهل الحل والعقد يتصفحون أحوال الإمامة والشروط التي يجب أن تتوفر فيهم، ليرى أيهم الأكمل والأكثر فضلا، ومَنْ أسرعُ الناس له بالطاعة، فلا يتأخرون عن بيعته. ودلالة هذه البيعة في اختيار الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، حيث كانت بيعة الانعقاد الأولى [2] ، ثم تأتي المرحلة الثانية، بيعة كافة أبناء الأمة، لمن تم اختياره في المرحلة الأولى كبيعة الخلفاء الراشدين، ثم دُعِي المسلمون للبيعة العامة في المسجد، فصعد المنبر بعد أن أخبرهم عمر - رضي الله عنه - باختيارهم له، ومبايعتهم إياه، وأمرهم بمبايعته فبايعه المسلمون [3] ، فما حدث مع أبي بكر - رضي الله عنه - حدث مع بقية الخلفاء من بعده، ببيعةِ تمت تاريخيا في عاصمة الدولة، وعبر ولاة الأمصار.
إنها الطريقة الباقية لدوام الجهاد مع كل بر وفاجر إلى يوم القيامة، وبالتالي ليس لمسلم حجة ألا يكون في رقبته بيعة لإمام عُلِمَ دِينُهُ وتَقْوَاهُ، وجاهد العلمانيين واليهود وعباد الصليب، الذين ينتهكون أعراض ودماء المسلمين ليل نهار، ويحتلون أرض المسلمين.
إن المتتبع للتاريخ الإسلامي من لدن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى حين إلغاء الخلافة في استانبول يدرك أن للبيعة عدة صور، فالبيعة قد تقع كلاما مصحوبا بالمصافحة، وقد تقع مشافهة دون مصافحة، وقد تكون بالكتابة، وإليك بيانها:
1 -المصافحة والكلام:
إن المتتبع للنصوص القرآنية والسنة النبوية يجد أنها غالبا ما كانت تتم مصافحة باليد، وهذه هي الصورة الغالبة في المرات التي بايع فيها الناس النبي - صلى الله عليه وسلم -، منها بيعة العقبة الأولى والثانية، وبيعة الرضوان الشهيرة، التي تمت يوم الحديبية، والتي قال الله تعالى فيها: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح:10) [4] .
2 -الكلام فقط:
وفد تكون بالكلام دون المصافحة، وهي الحالة التي بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه تكون عادة في مبايعة النساء، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: (والله! ما أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النساء قط، إلا بما أمره الله تعالى. وما مست كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف امرأة قط. وكان يقول لهن،
(1) صحيح البخاري: ك/ الأحكام، ب/ كيف يبايع الإمام الناس، ج/4، ص/1425، ح/7201.
(2) الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي: ج/2، ص/684.بتصرف، دار الفكر/دمشق، ط/3/ 1989 م.
(3) جولة تاريخية في حياة الخلفاء الراشدين، أحمد السيد الوكيل: ص/14 - 15 باختصار وتصرف، دار المجتمع لنشر والتوزيع/جدة، ط/1/ 1986 م.
(4) نظام الحكم في الإسلام، د. عارف خليل أبو عيد: ص/251.دار النفائس للنشر والتوزيع/ عمان، ط/1/ 1996 م.