فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 330

لم تكن الجزية بدعا من النظام الإسلامي، أو أن المسلمين سبقوا غيرهم بوضعه على الأمم التي دخلت تحت ولايتهم مغلوبة، بل كانت الجزية سنة مفروضة دارجة على الأمم المغلوبة منذ قدم التاريخ، فالأنبياء عليهم السلام حين غلبوا على بعض الممالك بأمر الله ونصرته، أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة، بل واستعبدوها، كما صنع النبي يوشع عليه السلام مع الكنعانيين حين تغلب عليهم، ففي العهد القديم من سفر يشوع: [1] "إلى هذا اليوم وكانوا عبيدًا تحت الجزية" [2] ، فجمع لهم بين العبودية والجزية. وقد نقل العهد الجديد شيوع هذه الصورة. كما أن المسيح متممٌ لما جاء به موسى عليهما السلام بقوله: (لا تظنوا أن جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقضَ بل لأكمل) [3] .

فالجزية هي عبارة عن ضريبة مالية تفرض على المحاربين دون غيرهم من العاجزين: فقير معدم، أو عاجز عن الكسب بسبب مرض أو هرم، وأهل الصلح يؤخذ منهم ما صلحوا عليه، فإن أسلموا سقطت عنهم، وحكمها أن تصرف في المصالح العامة، وقيمتها من دينار لأربعة دنانير من الذهب، أو من عشرة إلى أربعين درهما من الفضة بحسب الحال غنىً وفقرًا [4] . كما ذكر البخاري في مقدمة كتاب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، وقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ .. } قوله: (وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم. وقال ابن عيينة [5] عن ابن أبي نجيح [6] : قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشأْم عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار،) [7] .

فالمقصد ليس مالا يرتجى، أو سعيا لظلمٍ أو هوى، وإنما الترغيب في الإسلام، ليرى الذمي المعاملة ويقارن، ويسمع آيات الله ويتدبر، ليدخل الناس في دين الله أفواجا.

البند الخامس: بعض أسرار ولطائف آية الجزية:

حدد الله العلاقة مع أهل الكتاب كونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويأكلون أموال الناس بالباطل التي يناقضون فيها الفطرة، كما أنهم ما تركوا بابا لحرب الإسلام والمسلمين إلا طرقوه بشتى الوسائل والطرق، يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: (إن التعامل مع أهل الكتاب ينطلق من كونهم اتصفوا بتلك الصفات، التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم ..

(1) أحد أبناء يوسف عليه السلام وأريحا نصيب سبط بني أفرايم، وسمِّيَت المنطقة باسمه، انظر: سفر يوشع، الإصحاح، 16/ 4 و 8، ص/364.

(2) العهد القديم: سفر يشوع، الإصحاح: 16/ 10، ص/364. دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط

(3) العد الجديد: إنجيل متى، الإصحاح: 5/ 17، ص/8.

(4) منهاج المسلم لأبي بكر الجزائري: ص/374، بتصرف، دار الجيل بيروت، ط/1/ 1979 م

(5) هو سفيان بن عيينة الكوفي ثقة ثبت، روى عن ابن أبي نجيح، ولد 107 هـ ومات 198 هـ، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/2، ص/357 - 360.

(6) هو عبد الله بن يسار انظر تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/6، ص/518.

(7) صحيح البخاري: ك/الجزية والموادعة، ب/1/الجزية والموادعة مع أهل الذمة، ج/2، ص/ 637. أول الباب. (هكذا وردت)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت