ولا يمنع من هذا العموم أن السنة النبوية استثنت الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والرهبان، بوصفهم غير محاربين، فقد منع الإسلام مقاتلة غير المحاربين من أية ملة) [1] .
يقول سيد قطب: (إن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين الله - اعتقادا وسلوكا - لتعارض منهجهم الجاهلي، مع منهج الله، وبما أن الإسلام دين الله الحق، لا بد من أن ينطلق لوضع حد لجاهليتهم، ويزيل العوائق المادية من وجهه وليحرر الإنسان من ظلمهم دون إكراه، لذلك استخدم الوسيلة العملية لإزالة العوائق المادية، ألا وهي كسر شوكتهم القائمة على غير دين الحق، حتى تستسلم؛ وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلا) [2] . فكانت الجزية بابا من أبواب تنظيم العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب ومن على شاكلتهم وإليك بعض أسرارها ولطائفها:
-تشابه أهل الكتاب مع المشركين في كفرهم وإلحادهم وعداوتهم لأهل الإسلام.
-فاصلة الآية السابقة لأمر القتال، تبين وجه التناسب بين الآيتين، فالله {عليم} بوجوه المصالح لكم وما ينفعكم، {حكيم} في تدبير استجلابها وتقدير إدارها، وتظهر حكمة الله من القتال، فقد أغناهم بالمغانم بعد نحو ثلاث سنوات، لم يطرق على بالهم [3] .
-بداية الآية الأمر بالقتال يوحي بشدة القسوة والغلظة على من أمرت بقتالهم.
-الأمر بقتالهم دلالة على عظم جرمهم وكفرهم.
-جاء عطف أفعالهم على عدم إيمانهم بالله ليدلل على عظم ذنب هذه الأفعال مجتمعة.
-وجوب قتال من اتصف بهذه الصفات الأربعة إلا أن يسلموا أو يعطوا الجزية [4] .
-في قوله تعالى: {عَن يَدٍ} كناية عن الانقياد [5] . يقول البقاعي: (عن يدٍ أي قاهرة إن كانت اليدُ آخذةٌ، أو مقهورة إن كانت يد الْمُعْطي) [6] .
-وعبر باليد عن سطوة الأفعال التي أصغرتهم عظمتها، وأذلتهم شدتها التي ينشأ عنها الذل والقهر لأنها الآلة الباطشة.
-عبر ب {عَن} التي هي للمجاوزة لأن الإعطاء لا يكون إلا بعد البطش المذل.
-اليد أعظم أسباب كسب المال، فالمعنى أن يعطي كل واحد منهم الجزية عن نفسه [7] .
-ليس المقصود من فرض الجزية الإقرار بكفر الكافر، وإنما حقن دمه وإمهاله مدةً، رجاء أن يقف على محاسن الإسلام ليؤمن، وهذا المقصود من شرع الجزية [8] .
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3, ص/1632، بتصرف.
(2) المصدر السابق: ج/3، ص/1633، باختصار وتصرف.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/298، بتصرف.
(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج 15، ص/ 27. بتصرف.
(5) إعراب القرآن الكريم وبيانه، لمحيي الدين الدرويش: ج/3، ص/206. دار ابن كثير للطباعة والنشر/ بيروت، ط/8/ 2001 م
(6) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 299.
(7) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 299. بتصرف.
(8) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/27. بتصرف.