القسم الثاني: هم الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع ذلك أرادوا الخروج، إلا أنهم عادوا محزونين، دامعة عيونهم، لأنهم ما خرجوا، ولم يجدوا من يعينهم على الخروج والجهاد، (فبلغ الأمر بهم إلى حد البكاء شوقا للجهاد وتحرجا من القعود، حتى نَزَلَ فيهم قرآنًا، قال تعالى: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (التوبة:92) [1] .
فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ("إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم"، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال:"وهم بالمدينة، حبسهم العذر") [2] ،
(وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري، يطلبون من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد، فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت، فحصل لهم على ثلاثة من الإبل) [3] ، ففي الحديث: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: فقلت: يا نبي الله إن أصحابي إليك لتحملهم. فقال:"والله لا أجد ما أحملكم على شيء"ثم قال: فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أي عبد الله بن قيس! فأجبته. فقال أجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوك. فلما أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين، (لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد) فانطلق بهن إلى أصحابك) [4] .
أما الباقون وهم البكاؤون [5] فقد عادوا بكل الحزن والأسى، يضربون أروع الأمثلة في سرعة امتثال أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فظهر طيب معدنهم وصدق إيمانهم وحسن إخلاصهم.
مؤمنون صادقون يحبون الله ورسوله، أجلوا جهازهم وَسوَّفُوا فتخلفوا بدون عذرٍ، أو خُلِّفُوا لسبب من الأسباب، اعترفوا بذنوبهم وتابوا لربهم، وظهر صدقهم من خلال سلوكهم عندما ظنُّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، قال الله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:118 - 119) . قَدِمَ المتخلفون بأعذارهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا بضعا وثمانين رجلا، فقبل منهم - صلى الله عليه وسلم - علانيتهم واستغفر لهم، وَوَكَّلَ سرائرهم إلى الله تعالى [6] .
(1) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، د. على محمد الصلابي، ج/2، ص/530 باختصار
(2) صحيح البخاري: ك/المغازي، ب/ .. ج/2، ص/877، ح/4423.
(3) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، د. على محمد الصلابي، ج/2، ص/530.
(4) صحيح مسلم: ك/ الأيمان، ب/ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، ج/3، ص/1269، ح/8/ 1649.
(5) البكاؤون هم: سالم بن عمير، وسالم بن هرمي بن عمرو، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن غنمة، وسلمة بن صخر، والعرباض بن سارية، انظر طبقات بن سعد: ج/2 ص/165.
(6) هدي السيرة النبوية في التغيير الاجتماعي لهدى اللحام: ص/603.