فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 330

أما الثلاثة الذين خُلِّفُوا فهم: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك - رضي الله عنه - الذي سرد قصة اعتذاره على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فصدق فقم حتى يقضي الله في أمرك) [1] ، وكذلك قال لصاحبيه، فأخرهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يحكم الله فيهم، يقول الشوكاني: (أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا، أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال ... تاب الله على الثلاثة الذين أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال) [2] ، ويقول ابن الجوزي: (خلفوا عن التوبة ... والقول الثاني: خلفوا عن غزوة تبوك) [3] .

أرى أن أجمع بين القولين، أن الله قد خلَّفهم ليكونوا عبرة لغيرهم لبيان خطورة التخلف عن الجهاد، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هجرهم وأخرهم ليكون عقابا لهم في الدنيا وبيان فضل التوبة والإنابة، وليأخذ المسلمون العظة من درسٍ مساحته بدأت فصولُه قاسية، ومراحله تشتد قسوة شيئا فشيئا، لتظهر مرحلة الاختبار الصعب؛ وكيف يمحص الله المؤمنين؟ من خلال شدة المعاناة التي لاقاها الثلاثة نفر - رضي الله عنهم -، ليبين الله تعالى خطورة التسويف في الطاعات، لذا نضع بعض التساؤلات التالية:

-ماذا يعني التسويف في طاعة الله؟ ولماذا يكون التسويف في الطاعات؟ وهل التسويف تعبير عن العجز؟ أم دلالة على دنو الهمة؟ أم تراخي في الطاعات؟ وهل يؤجل المرء عمل الخير على أمل تنفيذه لاحقا؟ وهل يقوم بذلك؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات نسوق قول الشاعر:

لا أؤجل شغل اليوم عن كسل***إلى غد إن يوم العاجزين غدُ [4]

-ماذا يعني أن يكون المرء صادقا في الاستغفار والعودة عن الذنوب؟ هل يلزمه استشعار ألم ذنبه في جنباته، ليزداد هما وغما وحزنا على سوء فعله، لتضيق نفسه بما ارتكبت جوارحه، فيصبح ويمسي بحسن طاعة ودوام استغفار وشديد ندم، رغبة في رحمة، ورهبة من عذاب.

-ماذا يعني أن يبتلى [5] المرء في جماعته وأهله ليقاطعوه مقاطعة شاملة؟ وما هو حجم الذنب الذي ارتكبه هؤلاء الثلاثة؛ حتى تكون هذه المقاطعة بهذا الحجم؟ إنه بيان لاستشعار عظم الذنب، ولبيان حكم الله في التخلف عن الجهاد، فإذا كان عقاب الله فيهم وهم الصادقون هذه المقاطعة؛ فكيف بمن تخلف عن الجهاد والغزو دون عذر؟ وكيف بمن يكذبون في تخلفهم؟ وكيف بمن يتخلفون رغبة في هزيمة المسلمين؟

(1) هدي السيرة النبوية في التغيير الاجتماعي لهدى اللحام: ص/603.

(2) فتح القدير للشوكاني: ج/1، ص/770.

(3) زاد المسير لابن الجوزي: ص/610 - 311.

(4) معجم الأمثال الفلسطينية لحسين اللوباني: ص/664.

(5) الابتلاء من: بلوت الرجل اختبرته، وابتلاه الله امتحنه، والبلاء في الخير والشر، انظر لسان اللسان لابن منظور: ج/1، ص/108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت