فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 330

-لقد كانت المحنة منحة لهؤلاء الصادقين، فعندما ازداد البلاء عليهم؛ ازدادوا التصاقا بربهم، فقد منَّ الله عليهم من خلال صدق توبتهم وثباتهم، بالفرج والتوبة، ليكونوا قدوة لكل الصادقين الثابتين حتى آخر الزمان، مهما ادلهمت الخطوب، واشتد الحصار وكَثُرَ الأعداء والمتخاذلون، فلا ييأسُ من روح الله ورحمته المؤمنون، مستعينين بعد الله بالصبر الجميل والثبات على دينهم,، يقول على بن أبي طالب - رضي الله عنه:

إذا اشتملت على اليأس القلوب***وضاق لما في الصدر الرحيبُ.

وأوطنت المكاره واستقرت***وأرست في أماكنها الخطوبُ.

ولم تر لانكشاف الضر وجها***ولا أغنى بحيلته، الأريبُ [1] .

أتاك على قنوط منك غوثٌ***يمنُّ به اللطيف المستجيبُ.

وكل الحادثات إذا تناهت***فموصول بها فرج قريبُ [2] .

إنَّ فضل الله عظيم على الثلاثة الذين خلِّفُوا، حيث بدأ الله تعالى بتوبته على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام - رضي الله عنهم -، ومن ثمَّ على الثلاثة بعد أن ارجأهم، فقال {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:106) ، (حيث وقعوا في ذنب التخلف عن الجهاد، وهؤلاء مرجأون لأمر الله، وهو عليم بأحوالهم وما تنطوي عليه قلوبهم. حكيم بما يفعله بعباده من ثواب وعقاب) [3] وأنه تعالى قد تاب عليهم قبل أن يتوبوا، واختتم الآية باسمه التواب واسمه الرحيم، وأثنى عليهم عندما خاطب المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فأي فرح أعظم من هذا، يقول كعب واصفا لحظة التوبة: (فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ. قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ!، أَبْشِرْ. قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. قال فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الناس بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ. فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا. فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ. وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا. وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قبلي. وَأَوْفَى الْجَبَلِ فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُما إِيَّاهُ بِبُشْارته. وَاللَّهِ! مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ. وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ أتأمم رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - َيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّئونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِتَهْنِئكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ في المسجد، وحَوْلَهُ النَّاسُ. فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأنِي .. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّك) [4] . يقول البقاعي: (ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ

(1) الأريب: العاقل، والأرب: الدهاء والبصر بالأمور، انظر لسان اللسان لابن منظور: ج/1، ص/ 22.

(2) معجم الحكم والأمثال في الشعر العربي لأحمد قبش: ص/539 - 540.

(3) المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة القرآن والسنة بوزارة الأوقاف المصرية: ص/278 باختصار.

(4) صحيح مسلم: ك/التوبة، ب/حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، ج/4، ص/2120، ح/2769.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت