فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 330

وخلط معهم أهل الثبات، إشارة إلى أن كل أحد فقير إلى الغني الكبير، وليكون اقترانهم بأهل المعالي، وجعلهم في حيزهم تشريفا لهم وتأنيسا، لئلا يشتد إنكارهم، أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ، فقال غير مصرح بالزيغ تعليما للأدب وجبرا للخواطر المنكسرة: {وَعَلَى} أي ولقد تاب على {الثلاثة الذين} خلَّفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالهجران) [1] الهجر من كل الناس بل وأقربهم إليهم، حتى يحكم الله في أمرهم، فضاقت الأرض على رحابتها وسعتها عليهم، من شدة القلق الذي ملأ قلوبهم، وكثرة الهمِّ والغمِّ والحزن الشديد الذي ألمَّ بهم، خوفا من عذاب الله، وأليم عقابه، فأيقنوا بقلقهم هذا الذي حارت له قلوبهم، وضاقت عليهم أنفسهم التي ما استقرت على حال من أول يوم تمت المقاطعة فيه والهجران، كانوا يبحثون على همسة أو ابتسامة من شفتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو كلمة اطمئنان من صديق، رافضين أي عرض خارجي للخروج من دائرة الأمل والرحمة الربانية، إلى دائرة الضياع والتيه والخسران، أو نعيم قليل مآله إلى زوال، ليبيِّنوا خطورة أن يكون المسلم في كنف عدوه، فكيف والاتصال به لمظاهرته على المسلمين، ولتظهر حجم معاناتهم، وصدق توبتهم وحسن ثباتهم على دينهم، نقل الزمخشري في تعريف التوبة النصوح: (أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه) [2] .

فوائد وهدايات من قصة الثلاثة الذين خلفوا:

إن لقصة الثلاثة الذين خلفوا والتي سطرتها آيات من سورة التوبة، والحديث الشريف فوائد جمة وكثيرة منها:

-أنه لا يجوز التسويف والتأخير في جميع الأعمال الصالحات، وخصوصا الجهاد في سبيل الله، لما في ذلك من تأخير نصرٍ، أو استعجال هزيمة.

-الطاعات في وقتها سنة الصالحين المتقين، فلا يُؤَخَرُ العملُ الصالح عن وقته.

-لقد تفضل الله سبحانه على نبيه وأصحابه الذين خرجوا معه إلى الجهاد في وقت الشدة فثبتهم وصانهم عن التخلف [3] .

-أرجأ الله أمر الثلاثة الذين خلفوا ليبين حكمه فيهم، بعدما أخلصوا توبتهم .. وشعروا أن لا نجاة إلا بالاستغفار والرجوع إليه، حينئذ هداهم لتوبته، وعفا عنهم ليظلوا عليها. [4]

-كرم الله أن يهيئ أسباب التوبة للمسلمين، ويعينهم على الثبات وحب الاستغفار.

-إن أعظم الصدق؛ صدق الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله تعالى.

-ضرورة تسابق الناس في نشر الخير، كإعلان نصر المسلمين، وهزيمة المجرمين.

-في منح البشير الثوبين؛ دليل على أن إعطاء المُبَشِّر سُنة وشيمة الصَّالحين.

(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/397 - 398 باختصار وتصرف.

(2) تفسير الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/339 - 340.

(3) المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة القرآن والسنة بوزارة الأوقاف المصرية: ص/281.

(4) المصدر السابق: ص/281.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت