لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية:13) ، فالدعوة إلى التفكير هو توجيه ربَّانيٌ ودعوة للنظر في المقصد العظيم الذي من أجله خُلِقَ الإنسان، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الداريات:56)
إن مقاصد القرآن الكريم ومن خلال استقراء نصوصه واستنباط أحكامه، تقوم على أساس تحقيق جلب المنافع الدنيوية، التي أساسها السعادة والطمأنينة والأمان، والأخروية القائمة على مرضاة الله تعالى ورحمته، ودرء المفاسد القائمة على الذنوب والمعاصي، ودفع الأضرار من أجل النجاة من النار، وهذا لا يكون إلا بفضل الله تعالى والعبادة النابعة من خلال امتثال أوامره الله سبحانه واجتناب نواهيه.
فأصل العبادة قائمة على دعوة الله جل في علاه لخلقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فالأسس التي قامت عليها المقاصد هي مصالح العباد وبقاء استمرار النوع البشري على الأرض، وهذا لا يكون إلا من خلال العبادة لله.
وعلى هذا الأساس قسم بعض العلماء المقاصد إلى ثلاثة أقسام:
أ- المقاصد العامة: هدف الشريعة العام وتحقيقها في كل أبوابها التشريعية [1] .
ب- المقاصد الخاصة: هدف الشريعة للتحقيق في باب أو ابواب معينة متجانسة.
ج- المقاصد الجزئية: هي ما يقصده كل حكم شرعي تكليفي، وأسراره التي وضعها الشارع عند كل حُكْمٍ من أَحْكَامِهَا [2] ، وهي التي تنطبق عليها أمثلة ابن عاشور:
(من كون عقدة الرهن مقصودها التوثق، وعقدة النكاح مقصودها إقامة الأسرة، وتثبيت المؤسسة العائلية) [3] . وبما أن المقاصد القرآنية من الأهمية بمكان، فقد حظيت بعناية العلماء من حيث دراستها واستنباطها، وبينوا مراتبها في ذاتها من حيث ضرورياتها، وحاجياتها، وتحسيناتها.
فأسس المقاصد يعتمد على التالي:
المقاصد الضرورية:
وهي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، والتي سمَّاها الأصوليون بالكليات الخمسة، حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال [4] ، بحيث إذا فقدت حلَّ محل المصالح المفاسد وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين [5] .
(1) مقاصد الشريعة لابن عاشور: ص/ 177 باختصار، البصائر للإنتاج العلمي/ ط/1/ 1998 م.
(2) المصدر السابق: ص/ 188، باختصار وتصرف
(3) انظر ك/ نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي لأحمد الريسوني: ص/ 7 - 8،الدار العالمية للكتاب الإسلامي/الرياض، ط/4/ 1994 م.
(4) الموافقات للشاطبي: ج/2 رص/ 172. و شرح تنقيح الفصول لشهاب القرافي ص/ 391، مكتبة الكليلات الأزهرية/ القاهرة
(5) دراسات في الفكر الإسلامي، د. زيد إبراهيم الكيلاني، ص/137 - 140 باختصار.