فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 330

المطلب الخامس: مستلزمات البيعة:

إن كان للبيعة شروطا وأسبابا وأركانا! وإن كان للمبايع من صفات وشروط تتوفر فيه لإتمام صفقته مع الله تعالى، فإن للبيعة كذلك مستلزمات لا بد من المحافظة عليها والالتزام بها، حتى تصفو نفس المؤمن وتطمئن فلا يمكن أن يعاهد العبد ربه وفي عنقه بيعة لغيره، أو يرتبط بمعاهدات جانبية، أو أن يبايع غيره على محاربة أهله وإخوانه متعللا بحجج واهية، فيحارب ربه ودينه وأوليائه من حيث يدري أو لا يدري! أو ينكث عهده مع الله طلبا لمرضاة غيره، قولا أو عملا، أو قولا وعملا معا، والعياذ بالله!

لذلك أعقب الله تعالى آية البيعة ومبشراتها، بآية حرمة الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113) ،

فمناسبة الآية مرتبطة بالتي قبلها إما من حيث السياق، أو من حيث المعنى، أو من حيث السياق والمعنى على السواء، فالسياق القرآني في هذه الآيات يتحدث عمن يدعون الإسلام من المنافقين {ويحلفون إن أردنا إلا الحسنى} ويعاهدون أعداءه، من خلال رباط خفي وولاء مستور بينهم وبين الكافرين.

إن آية البيعة تحدثنا عن صفقة وتجارة رابحة بين الله تعالى، وبين الصادقين المجاهدين من عباده المؤمنين، وبيان لحقيقة الولاء لله من قبل المبايعين الذين دللوا على صدق ولائهم عندما أفنوا أبدانهم وأموالهم في سبيل الله تعالى عند قتالهم لأعداء الله، ساعين بكل جهدهم للقضاء على كل من يغضب الله، كراهية لهم، ومن أجل ذلك بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله رخيصة، حبا في الله ليستبشروا ويفوزوا بما وعدهم الله تعالى.

ويستمر السياق القرآني ترتبط آياته بعضها ببعض وآخذة بعناق أختها، وترابط لفظي بديع، لتتحدث عن صفات المبايعين، فمن كان ولاؤه لله لا بد أن يكون مستغفرا تائبا، وعابدا زاهدا، وحامدا شاكرا، وصائما قانتا مجاهدا متدبرا ومعتبرًا، راكعا وساجدا، من خلال حفاظه على صلاتها بقيامها وسجودها، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، متبرئا من الذين يتعدون الحدود والمحارم والحرمات.

ثم تأتي الآية التالية لتبرهن على صدق البيعة؛ من خلال مستلزماتها، قولا وتطبيقا عمليا، الولاء لله تعالى التام، والبراءة الحقيقية التامة من المشركين، ولو كانوا أقرب الناس وأحبهم إليه!

وبالتالي فإن عقيدة الولاء والبراء من أهم مستلزمات البيعة، فالله ينفي عن أوليائه بالكلية استغفارهم للكافرين عموما، ولذويهم المقربين على وجه الخصوص، ليبرهنوا على صدق بيعتهم مع الله في تبرؤهم من ذويهم الأموات، بعد أن استجابوا وتبرؤوا من ذويهم الأحياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت