يقول الرازي: (جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة، لأنهما خرجا عن مألوف حركة الإنسان وعادته في القيام والقعود، فهما ركنان أساسيان في الصلاة ... ولأن القيام لله أول مراتب التواضع، والركوع وسطها، والسجود غايتها، فخصَّ الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية لله ونهاية الخضوع والتعظيم لله رب العالمين [1] .
الصفة السابعة والثامنة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لا يمكن لمسلمٍ إتلاف نفسه في حرب من الحروب، دون أن يكون قائما بطاعة الله، زاجرًا نفسَهُ عن المعاصي والذنوب، محافظا على حدود الله ويحمي أركانه، وناهيًا عن المنكر، وإلا ينطبق عليه قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف:2 - 3) ، فالأمر بالمعروف من المجاهد ونهيه عن المنكر تؤدي إلى رصِّ الصفوف وتوحيدها، وأمرٌ قبل كل شيء يحبه الله، لذلك جاء بعدها {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (الصف:4) ، ثم كيف ينهى المؤمن عن المنكر دون أن يطبق ذلك عمليا، فالمنكر يتطلب غضب لدين الله وغيرة عليه، ومخاصمة لأهل الظلم والعدوان، مع ضرورة قتالهم إذا استوجب الأمر ذلك.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم صفات المجاهدين، وهم الأولى بها.
الصفة التاسعة: المحافظون على حدود الله:
يجب على المجاهدين المبايعين الذين يحاربون المعتدين الظالمين، أن يدافعوا عن الحرمات والحدود، وأن يكونوا أولى الناس محفاظة على حدود الله تعالى ومحارمه، يقول الرازي: ( {والمحافظون لحدود الله} والمقصود أن تكاليف الله كثيرة وهي محصورة في نوعين: العبادات التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية في الدنيا، بل لمصالح مرعية في الدين؛ والمعاملات فهي: إما لجلب المنافع، وإما لدفع المضار) [2] . فالمحافظة على العبادات وسائر أعمال البر، بشتى أقسامه ومسمَّياته جاء طلبا لمرضاة الله تعالى ورحمته وجنته، ساعين بكل جهدهم على جلب المنافع قدر الاستطاعة ودفع الضر بكل قوة، حتى يكونوا المجاهد الدرع الواقي والحضن الدافئ وصمام الأمان لهذه الأمة.
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/204 بتصرف
(2) المصدر السابق: ص/205.