بهذا الإدراك وإنفاق العمر في مجرد التأمل والاعتبار. ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا الإدراك [1] .
(فالسياحة هي السير المستوعب في الأرض، ومنه سير أعيننا تنظر في ملكوت الله وتستنبط من الآيات ما يدل على تأكيد إيمانه) [2] ، فالسائحون هم المجاهدون الصائمون المتدبرون والمتفكرون في خلق الله، كيف والجهاد يتطلب السياحة في الأرض السير فيها؛ لينشر دين الله ينصر أولياءه، ليزداد العابدون المتأملون في آيات الله تعالى.
والصائمون الذين تسمو نفوسهم الشَّفافة لتزداد شوقا مع شوقها لخالقها، حيث يهيئ الصيام للصائم فرصة صفاء الذهن، فتزداد هذه النفوس تمعنا وتدبرا وتفكرا في عظمة الله وملكوته سبحانه؛ كي يستنبط من آيات الله ما يعينه على زيادة إيمانه.
أمَّا أولوا الألباب المتدبرون بعظمة الله يتعرفون عليه من خلال التدبر والتفكر في عظيم آياته ومخلوقاته، فيزداد تسبيحهم وتعظيمهم لربهم، وحبا وشوقا لخالقهم بعد ازدياد إيمانهم، فيزداد شوقهم لإتمام بيعتهم مع الله تعالى فيصرفون نفوسهم وأموالهم حبا في الله ورسوله من أجل نصرة دينه وأوليائه.
فيلتقي المجاهدون والصائمون والمتفكرون في خلق الله على موعد مع قدر الله تعالى في سياحة نفوسهم استعدادا لوعد الله تعالى، إنهم التائبون العابدون الحامدون السائحون، أهل التقوى والورع فيزهدون في الدنيا ليسهل عليهم إيفاء بيعتهم لإتمام صفقتهم مع ربهم، وقد تحلَّوا بالحمد والشكر فرحا بالبشرى، وازدادوا صبرا استعدادا لإتلاف أنفسهم وأموالهم بكل الغبطة والرضا والشوق لربهم، سائحين في آيات ربهم الناطقة والمرئية والمقروءة والمسموعة الدالة على الحكمة والحق مستلهما الاحتساب والرضا للجهاد في سبيل الله تعالى.
الصفة الخامسة والسادسة: الراكعون الساجدون:
إن المعارك الجهادية في سبيل الله تعالى لا تحتاج مطلقا للتكبر أو الغرور، وما حدث في حنين خير دليل مع وجود خير الخلق - صلى الله عليه وسلم - معهم، بل إن أهم مستلزمات الجهاد: ذكر الله تعالى، وتمام الخضوع لعظمته وكبريائه وهذا لا يكون إلا من خلال دوام المجاهدن الصادقين على صلاتهم، محافظون عليها في أوقاتها، قائمون بأركانها وواجباتها وسننها، خاشعون في أدائها. فكانت مواظبة المجاهد على صلاته وخصوصا في أرض المعركة أمر لابد منه لبيان تمام الخضوع والتعظيم الله تعالى.
(1) في ظلال القرآن، لسيد قطب: ج/3، ص/1719.
(2) زبدة التفاسير لمحمد متولي الشعرواي: ص/236، قدم وعلق عليه عبد الرحيم الشعرواي، المكتبة التوفيقية/ القاهرة، بدون طبعة.