مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (آل عمران:196 - 197) ، وحذَّر - صلى الله عليه وسلم - من تتبع خطوات مشركي أهل الكتاب بمختلف فئاتهم ومسمَّياتهم، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لاتبعتموهم) قلنا يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟) [1] . ليدلل - صلى الله عليه وسلم - على خطورة الاغترار بمنهج الكافرين، وفساد معتقداتهم، كما حذر - صلى الله عليه وسلم - من خطورة التكبر، وبين أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ونصر الله لا يكون إلَّا بمن تعلق قلبه بالله وتواضع لعظمته، وهجر كل أسباب الاتصال بغيره سبحانه وتعالى.
فلا بد أن يكون المؤمنون على قلب رجل واحد في المعتقد والتوجه والعمل، وخاصة عند طلب النصرة، فلا ينبغي أن يتشتتوا شيعا وأحزابا، أو يحملوا أفكارا ومعتقدات وثنية، أو يربطوا نصرهم بغير الله، أو يتشبَّهُوا بالكافرين أو يتَّبِعُوهم، حتى لا تؤثر نتائجُ أعمالهم سلبا على مجريات أحداثٍ لا تحمد عقباها، ولنا في زماننا ألف عبرة وعبرة، سنوات عجاف تتلوها عجاف أشد؛ لأن بعض المسلمين وثقوا بالكافرين واتبعوهم، فكانت الطَّامَّةُ على الجميع، احتلال يتلوه ترسيخ للاحتلال، وتنازلٌ يتلوه تنازل، وذِلةٌ يَتْبَعُهَا هوان، ليكون التحذير موصولا لعموم الأمة من خطر أعمال القلة المتنفذة إلى قيام الساعة، فخير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام - رضي الله عنهم -، قد وقعوا في المحظور، فكيف بمن دونهم؟ لقد كانت غزوة حنين درسا قاسيا تَلَقَّاهُ المسلمون، ليكون له الأثر البين والبليغ في نفوسهم، وأخذ العبر والعظات إلى يوم القيامة.
إن تذكير الله تعالى عباده المؤمنين بامتنانه عليهم وفضله ونصره المتواصل، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، بالثبات في أحلك المواقف وأصعبها شدةً، وعلى المؤمنين في مواطن كثيرة متعددة يذكرونها، (قريبًا من ثمانين موطنا) [2] وقريبة في الزمان والمكان، وكذلك في يوم حنين حيث نصركم الله فيه [3] ، بعد أن انشغلت قلوبكم بغيره، وبعد أن اغتررتم بعددكم وعُدَّتِكُم، لقد نصركم الله في حنين بثبات نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، لا ببهرجتكم، نصركم الله في حنين بِقِلَّتِكُمُ المؤمنةُ لا بكثرتكم الواهمة والواهنة، نصركم الله في حنين بعد أن منَّ الله عليكم بعفوه وتوبته، وعدتُّم عن ذنبكم، وليظهر فضل التوبة والاستغفار، إنه جل في علاه، الأمان وقت الخوف، والنصر والتأييد وقت الضعف والهزيمة، إنه الله الذي لا إله إلا هو.
لقد رسَّخَت غزوة حنين لمفاهيم جديدة، وهدايات تربوية عظيمة، كما تركت أثرا بينا واضحا في الثبات على دين الله، لتؤخذ منها الدروس والعبر إلى يوم القيامة، من ذلك:
(1) صحيح مسلم: ك/العلم، ب/ اتباع سنن اليهود والنصارى، ج/4، ص/2054، ح/2669.
(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/21، وانظر التربية الإسلامية في سورة التوبة د. علي عبد الحليم محمود: ص/103.
(3) الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/288.