فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 330

إن حقيقة التوكل على الله: تسليم تمام الأمر لله في كل الأمور التي يقوم بها العبد، والتي لا يقوم بها، ويُعْتَمَدُ فيها على الله في كل شيء.

فكانت بداية السورة البراءة من المشركين وما يترتب على ذلك، من قلة وفاقة وعيْلةٍ، وخوف، وضعف، ربما لا نستطيع أن نتبرأ منهم بالمنظور البشري، وختمت السورة بضرورة حسن التوكل على الله تعالى؛ عند إعراض المستكبرين والمعاندين من المشركين والمنافقين، قال الله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم} (التوبة:129) ، يقول الزمخشري: (فإن أعرضوا عن الإيمان بك، وناصبوك العداء فاستعن وفوِّض إليه أمرك، فهو كافيك معرتهم، ولا يضرونك، وهو ناصرك عليهم) [1] ، ويقول البيضاوي: ( {فَقُلْ حَسْبِيَ} فإنه معينك عليهم، {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} كالدليل عليه، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فلا أرجو ولا أخاف إلا منه) [2] ، ويقول البقاعي: (ثم أقبل عليه مسليا أن يعرض عمن أعرضوا عنه، والبراءة منهم ملتفتا إلى أول السورة: الأمر بالبراءة من كل مخالف) [3] .

وبما أن البيعة أصلها الثبات على (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، وضرورة الالتزام بالتوكل على الله، وطلب النصرة منه وحده جل في علاه، فالمرء بحسن توكله على ربه، وبمقدار صدقه في ذلك (يصل بالقوة الربانية التي تحميه وتكفيه ... فإليها تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه، فالله حسب كل من لاذ به وحسب من والاه) [4] ، وأن الولاء لله والبراءة من المشركين من مقتضيات البيعة ومستلزماتها الصادقة، وذلك بحسن الاتصال بالله وصدق موالاته عزَّ وجل، فإن توكلت على الله الذي هو كافيك وناصرك حق التوكل، أسرعت إلى التبرؤ مِنْ كل مَنْ عادى مولاك بكل اطمئنان، دون خوف أو تردد.

يقول البقاعي: ( {فإن تولوا} أي اجتهدوا في إدبارهم عنك فاستعن بالله يكفيك، فإن الله جل ثناؤه يعطي بحسب الكفاية التي تغني عن غيره، ويزيد من نعمته ما لا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة؛ لأنه الملك الذي لا كفوء له، وإنما كافيا لأنه {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فلا مكافئ له ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه) [5] . وبما أنه {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} صاحب القوة والعظمة والإرادة والعلم والقدرة، صاحب صفات الكمال المطلق جل في علاه، فإن التوكل عليه أمر مسلم به عند الذين صدقوا عهدهم معه عزَّ وجل، ويرغبون في الوفاء بتمام البيعة مع الله تعالى، لأنه سبحانه أوفى عهدا، (وأمره نافذ في كل شيء) [6] .

(1) الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/345.

(2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، المجلد الأول، ص/426. دار الكتب العلمية/ بيروت، ط/1/ 2003 م.

(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/409 باختصار وتصرف.

(4) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1743 بتصرف.

(5) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/409 باختصار.

(6) المصدر السابق: ص/409.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت