فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 330

إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ*هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة:32 - 33) .

إن سعي أعداء الله تعالى دؤوب لإطفاء نور الله، ومحاولاتهم حثيثة متواصلة في محاربة الإسلام والمسلمين ووأده من جذوره، سُنَّةُ الله في الظالمين، بأن جعل لرسله أعداء ومجرمين، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} (الفرقان:31) ، سنة الله في أتباع المرسلين أن يتعرضوا للاستئصال من قبل المجرمين، قال الله تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} (التوبة:8) ، وقال: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} (التوبة:10) ، يقول القرطبي في المجرمين: (ليس تكريرا، ولكن الأول لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة) [1] ، ويقول النسفي في المؤمنين: (ولا تكرار، لأن الأول على الخصوص حيث قال: {فِيكُم} والثاني على العموم لأنه قال: {فِي مُؤْمِنٍ} ) [2] ، مما يتبين أن عموم المشركين واليهود على الوجه الخصوص، دائمي الكيد والمكر، فلا يتركون شاردة ولا واردة إلا واستخدموها ضد المسلمين، وهذه سنتهم ضد كل مؤمن في كل زمان ومكان، حتى نتبع ملتهم، قال الله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .. } (البقرة:120) ، فذلك مبتغاهم ونهاية رضاهم، فواقع حالهم أن المسلم الجيد هو المسلم الميت الذي طوته الأرض، أو ميَِت حكما تابع لهم كما يَوَدُّون، قال الله تعالى: { .. وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا .. } (البقرة:217) ، ولذلك حالهم؛ أن محاولاتهم دائمة فاشلة، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة:32) ، فمحاولاتهم دائما خائبة ومردودة، بل ويتجرعون دوما مرارة فشلهم أمام إرادة الله تعالى، (فهم كمن يحاول أن يبطل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالتكذيب، ونبوة النبي ورسالته المنيرة ماضية بأمر الله، لا يضيرها مطلقا من أراد أن ينفخ في نورها الذي بلغ المدى في الإشراق والوضاءة بنفخة من فمه) [3] . ثم قال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة:33) ، ليطمئن المؤمنون أن الله مظهرٌ دينه على كل دين، رغم كره المشركين، بل وبشر الله تعالى المؤمنين بنصره فقال:

{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40) .

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/5، ص/98

(2) مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي: ج/2، ص/148.

(3) تفسير الكشاف للزمخشري: ج/2، ص/294 بتصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت